أيتها الأرثوذكسية..تعصفُ بكِ أهوجُ العواصف..وتحاربكِ اشرسُ القوات المظلمة لاقتلاعكِ من العالم..وانتزاعكِ من قلوب الناس..ارادوكِ أملاً مفقوداً..ومتحفاً مهجوراً..وماضياً مأساوياً..وتاريخاً منسياً..لكن الله القدير الكلي الحكمة يسيطر على هذه الفوضى ويحميكِ منها وردة مفتحة تفوح بعطرها ارجاء المسكونة..ويحافظ عليكِ في قلوب البسطاء..وها انتِ كما أنتِ حيَّة قوية تغذين الاجيال وتفلحين كل بقعة جرداء..وتزرعين الأمل في نفوس الضعفاء..وتباركين الحاقدين والأعداء..وتوزعين قوة وحياة ونوراً..وتفتحين للناس ابواب الابدية..قوية عتيدة ايتها الارثوذكسية  
الصفحة الرئيسية > دينيات > عامة
الذكرانيات المقدسة للراقدين

الذكرانيات الطلبة من اجل الأموات هي تقليد قديم وثابت في الكنيسة، فرواية تجلي الرب يسوع بحضور موسى وإيليا، وكذلك مثل الغني وألعازر يظهران بوضوح كيف أن الأموات يملكون ضميراً كاملاً.

تستمر الحياة عبوراً بالموت، والذين يغادرون العالم يحافظون على صلتهم مع أعضاء الكنيسة على الأرض بالمحبة المشتركة للمسيح، هذه المحبة تجمع المؤمنين في الوحدة، لأن الكنيسة هي جسد واحد رأسه المسيح، جسد المسيح هو نحن المؤمنون وكل واحد منا هو عضو في هذا الجسد.

الموت يُغير حسياً فقط في العلاقات بين الأموات والأحياء على الأرض: "إن متنا أو عشنا فنحن للرب"(رومية 7:14-8)، والكنيسة تنقسم إلى كنيسة مجاهدة، وكنيسة ظافرة، ينتمي إلى الكنيسة الظافرة أولئك الذي أكملوا جهادهم في الحياة الأرضية، وهم ينتظرون إكليل العدل في ذلك اليوم الرهيب، وينتمي إلى الكنيسة المجاهدة أولئك الذين مازالوا يجاهدون ضد الخطيئة كي يبلغوا الكمال.

أعضاء الكنيستين المجاهدة والظافرة لديهم علاقة متبادلة لا يمكن التعبير عنها، فالذين في السماء لا يغضون النظر عن الذين مازالوا على الأرض، "الموت الجسدي أي انفصال النفس عن الجسد، لا يلغي علاقة المؤمن مع الكنيسة ولا يفصله عن باقي إخوته في المسيح"، وفضلاً عن ذلك فالمحبة هي أبدية مثل النفس ولا حد لها حتى بعد الموت، وكما قال القديس بولس الرسول: "المحبة لا تسقط أبدا".

نعلم من كثير من الشهادات الواردة في الكتاب المقدس وخاصة في تاريخ كنيستنا وتقليدها، أنه يوجد تواصل وحضور روحي متبادل بواسطة المحبة والصلاة من اجل بعضنا البعض، فيما بين أعضاء الكنيسة السماوية والكنيسة الأرضية، لأننا جميعاً "شركة واحدة للقديسين".

فالذين توفوا والذين يحيون في هذا العالم، الكل كائنون ضمن شركة حياة وصلاة ومحبة أخوية سرية وفائقة الطبيعة، وضمن هذا الارتباط كل يساعد الآخر، فعلى أساس هذه العلاقة تقوم الذكرانيات في الكنيسة، ومن اجل ذلك كانت الكنيسة تقيمها دائماً وتصلي من اجل الراقدين، لو لم تكن نافعة لما قامت بها الكنيسة ولا تضرعت من اجل الراقدين.

شهــادات حــول التــذكارات المقدســة:

من العهد القديم: نجد الأول في سفر نحميا (1:9-5)، والثاني في سفر المكابيين الثاني (36:12-45).

من العهد الجديد: الأول نجده في رسالة بولس الرسول إلى تيموثاوس(2تيمو 18:1)، والثاني في رسالته إلى أهل كورنثوس (1كورنثوس 27:12)، وهناك العديد من الشهادات الأخرى.

شهادات آباء الكنيسة:

1- قوانين الرسل التي هي أقدم الكتب الكنسية، فهي تعلّم انه ينبغي أن تتمم ذكرانيات الراقدين في اليوم الثالث والتاسع، والأربعين.

2- المؤرخ إفسابيوس في وصفه لجنازة الإمبراطور قسطنطين الكبير الفخمة في كنيسة الرسل، يذكر هيئة تلك النفس المغبوطة بأنها كانت "تتواصل مع شعب الله مستأهلة لعلاقات إلهية في خدمة سرية".

3- المغبوط اوغسطينوس بعد أن عرض وصفاً لجنازة أمه، يذكر انه فيما كان جسدها مازال في القبر قُدمت "الذبيحة الإلهية من اجل خلاص تلك الأم".

4- القديس كيرلس الأورشليمي يذكر في تعاليمه انه بعد تقديس القرابين المقدمة "يتم ذكر الراقدين، أولاً الآباء والرسل والأنبياء والشهداء، لكي بطلباتهم وشفاعاتهم يتقبل الرب تضرعنا".

5- القديس يوحنا الدمشقي كتب رسالة كاملة بعنوان "من اجل الراقدين بإيمان".

6- القديس يوحنا الذهبي الفم يقول: "إن الرسل الإلهيين لم يُشرعوا هذه الأمور عبثاً، ولكن فعلوا ذلك لأنهم يدركون انه بهذا الأمر يحصل ربح جزيل ونفع كبير".

7- كتب خدمة القداس الإلهي لأبوينا القديسين باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم، والقديس يعقوب اخو الرب تحتوي على طلبات خاصة بالراقدين، وهذا يؤكد ضرورة إقامة الذكرانيات للراقدين على رجاء القيامة والحياة الأبدية.

أوقــات إقامــة الذكرانيــات:

قوانين الرسل تذكر انه ينبغي إتمام الذكرانيات في اليوم الثالث، والتاسع، والأربعين، وبعد عام، فالقديس ايسيذوروس يقول أن: 

اليوم الثالث هو ذكرى قيامة الرب من بين الأموات،

واليوم التاسع يرمز إلى عدد الطغمات السماوية التسعة،

واليوم الأربعين يرمز إلى صعود الرب يسوع إلى السماء بعد قيامته من بين الأموات،

أما الذكرى بعد عام فهي إكراماً للثالوث الأقدس.   

التقدمــات التي تُقــدم بــدلاً عــن الذكرانيــات:

يقدم البعض تقدمات أخرى بدلاً عن الذكرانيات من اجل أمواتهم، ولكن الذكرانية شيء والإحسان شيء آخر، فأي إحسان لا يمكنه أن يستعيض عن القداس الإلهي الذي فيه يُقدم "حمل الله الرافع خطيئة العالم"، ولذلك نحن نقدم في الكنيسة الخبز والخمر اللذين يتحولان إلى جسد الرب يسوع ودمه، ومن هذه التقدمة يُؤخذ الجزء الخاص والعائد للإنسان الراقد ويوضع على الصينية المقدسة قرب أجزاء قديسي الكنيسة وأبرارها.

فهناك على الصينية المقدسة تُجمع كل الكنيسة المجاهدة والظافرة، ويؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم بقوله: "انه لشرف عظيم أن يُذكر اسم قريبنا هناك حيث المسيح موجود وكل الكنيسة، فانتبه حيث يتم إعلان السر الرهيب، أن الله منح ذاته من اجل خلاص المسكونة...".

وبالتالي فإن اكبر واهم معونة يمكن أن تُقدم لمن فارق الحياة هي ذكر اسمه في القداس الإلهي، إن ما لا تستطيع تقديمه الخيرات الموهوبة للفقراء يمكن أن تفعله صلاة بار واحد، فكم بالأخرى القداس الإلهي.

منفعــة الذكرانيــات:

إن شهادات آباء الكنيسة وشهادة الكنيسة نفسها من خبرتها في القداديس الإلهية تؤكد عظمة الفائدة الناجمة عنها فالقديس يوحنا الدمشقي يذكر أن الله يشاء كثيراً أن يحصل الجميع على الرأفة سواء كانوا أحياء أم أموات، إلا أننا لا نعرف ولا نستطيع أن نضع حداً لمحبة الله للبشر، فنحن نتكل على هذه المحبة وعلى المنفعة الحاصلة عن الذكرانيات.

ليس من دون سبب يحدد الرسل القديسون الصلوات من اجل الراقدين أثناء تقديم الذبيحة الإلهية، ولكن لأنهم يعلمون أن هؤلاء الراقدين سوف يحصلون على المنفعة العظيمة، فعندما يرفع الشعب الأيادي للصلاة من اجلهم ويقدم الذبيحة الإلهية مع الكهنة من اجل راحة نفوسهم فكيف لا يحظوا على التحنن الإلهي، ولكن هذا الأمر يختص بالمؤمنين الراقدين.

احد الآباء القديسين يقول: "طالما أن قرار الرب الأخير لم يصدر بعد، وسلطان المسيح مازال يسود على السماوات والأرضيات وحتى على أعماق الجحيم، وطالما انه لم يُسمع بعد القول القائل: "ابعدوا عني ..."

فالموقف الأفضل للكنيسة هو موقف الصلاة والتضرع من اجل راقديها.

والذين رقدوا وخطاياهم حُملت معهم، فكذلك يجب أن نصلي لهم ونقدم لهم الذكرانيات لأنها ستنفعهم أيضاً، فمن منا يستطيع أن يعلم إن غادروا الحياة بتوبة أم لا؟..فإنها فترة كافية ليقول المرء: "اذكري يا رب متى أتيتَ في ملكوتك"، لأن القصد الإلهي يمنعنا من الحكم على أي إنسان، وعلينا نحن أن نقوم بما نستطيع ونساعد إخوتنا الراقدين بقدر الإمكان، وما عدا ذلك فلنتركه لمحبة الله وعنايته للبشر التي لا حدود لها، ولهذا فإن كنيستنا لا تحكم حكماً مسبقاً على أي إنسان بل تقدم محبتها لجميع أبنائها. ويقول القديس نكتاريوس: "كثيرون كانوا مربوطين برباط الحرم، انعتقوا منه بعد موتهم بالصلوات فانحلت أجسادهم". وبما أن يوم الوفاة غير معروف فلنستعد دائماً بالتوبة عن خطايانا، فربما نكون اليوم في الحياة وغداً في القبر. 

 

 

                                       

الصفحة الرئيسية  |  الكنيسة  |  آبائيات  |  دينيات  |  مقالات  |  نشاطات  |  معلومات  |  أماكن مقدسة  |  خريطة الموقع  |  أتصل بنا
© 2006-2009 الأب الكسندروس اسد. جميع الحقوق محفوظة - تصميم وتطوير اسد للتصميم