من المهم أن نشطب من ذهننا بكل ما لدينا من قوة، بعض التصورات الخداعة الرهيبة والمتبلورة في بعض الكلمات التي نستعملها بدون ترو، والتي يجب علينا أن ننتقدها بقوة، وهي: الانبعاث، الصنع، والبداية، وان تحلوا محل:
محل الانبعاث: الاختلاف أو الغيرية أو...
محل الصنع: التكون
محل البداية: الارتباط الجذري (ارتباط الإنسان بالله).
1- الانبعاث: أحياناً يتصور الناس أن خلق العالم كان انبعاثاً، كما لو كان العالم ينبعث من الله كالنهر من الينبوع، أو كسماط الضوء من بؤرة ضوئية، تختلف هذه الفكرة عن الفكرة اليهودية المسيحية، وهي تقول بأن العالم ليس انبعاثاً من الله، فلو كان كذلك لوجب القول بأنه حتمي، فإن وجود الينبوع يعني وجود سيل ينبعث منه حتماً، وان وجود البؤرة الضوئية يعني وجود الأشعة وسماط الضوء، المسألة هامة لأن العالم في أديان أخرى كالأديان الشرقية مثلاً، يُنظر إليه كإنبعاث حتمي من الله.
إن كان العالم ينبعث من الله كالنهر من الينبوع، لا يكون هناك أي تمييز جذري بين الإنسان والله، إذ ليس النهر غير الينبوع على وجه جذري، وليس الشعاع غير البؤرة الضوئية على وجه جذري، فليس هناك غيرية، وان لم يكن هناك غيرية، لا يكون هناك مجال للحب، فلا يستطيع الإنسان أن يحب إلا غيره، وهو لا يجب قرارة نفسه.
في الكتاب المقدس لا يمكن أن تكون الأشياء على هذا النحو، إذ أن المقصود به الكشف عن إله ليس هو إلا محبة، فلقد ورد فيه أن الله موجود، وان الله شخصي، وان الله يريد أن يكون العالم، وان العالم حقيقة تمتاز عن الله فإن الله يخلق عالماً غير نفسه ولذلك لنشطب كلمة انبعاث ونحل محلها كلمة تمييز أو غيرية.
2- الصنع: ليس الخلق صنعاً، ولا يصنع الله أي شيء، لأن الصنع يؤدي إلى غرض آخر، لا شك أن الله قدير، لكن محبته هي القديرة، ليس المقصود أية قدرة كانت، إذ أن الله لا يقدر على شيء إلا على ما تقدر عليه المحبة، لا يجوز أن نقول: "إن الله على كل شيء قدير"، فهذا خطأ جسيم، لا يقدر الله على التدمير، لان المحبة لا تقدر على التدمير، ولذلك أؤمن بالحياة الأبدية، إذ أن الذي خلقني لن يدمرني، والله لا يقدر أن يصنع لأن المحبة لا تصنع بل تولد، وهذا يختلف كل الاختلاف.
لا تقدر المحبة أن تخلق إلا خالقين، اجل، نحن مخلوقات، ولكننا مخلوقات خالقة، وليس العالم المادي إلا ما يكيّف حريتنا وما علينا أن ننطلق منه لنخلق أنفسنا، نحن لسنا الله، فهو وحده غير مكيّف، أما نحن فمكيّفون، أنا مثلاً مُكيّف بجنسي وهو مذكر، فلا يمكن أن يكون مسعى حياتي مسعىً مؤقتاً، وهذا التكييف بعيد المدى، فهو يشمل جميع المجرات، ولكن لا معنى له إلا لحرية الإنسان، إن الله محبة، فلا يمكن أن يخلق مخلوقات لا تكون خالقة.
فعلينا إذاً أن ننتقد بعض عبارات وردت في الكتاب المقدس (وهذا أمر طبيعي، إذ أن الكتاب المقدس كتاب تربية وتربية تدريجية)، ففي الرواية الثانية لخلق العالم وهي الأقدم، يُشبِّه الله بخزاف يجبل الطين، أما في الرواية الأولى وهي الأحدث، فقد عُدِل عن صورة الخزاف وحُذف فعل "جَبَلَ" واحل محله فعل جديد يعني "خَلَقَ" تماماً وهو ثمرة تفكير أعمق قام به الشعب اليهودي.
إن الله لا يصنع اصغر عنصر من عناصر العالم، ولا أدق ذرة من الذرات، لا تُصنع الحريات، لأن من خواص الحرية أن لا تكون مصنوعة، وان لا يمكن صنعها، فهي ليست غرضاً من الأغراض، فليست الحرية حرية إلا إن خلقت نفسها.
بقدر ما يتصور الملحدون إلهاً صانعاً، يحق لهم أن يحتجوا باسم كرامة الإنسان، فلو كنا من صنع خزاف أزلي، لكان ذلك مخالفاً لكرامتنا، فنحن نشطب تلك الفكرة غير المعقولة والخطيرة، فكرة عالم صنعه الله، لسنا من صنع الله، "كما يصنع الحرفي مقطع ورق" بحسب تعبير جان بول سارتر.
3-البداية: أحياناً ما يتصور الناس خلق العالم نوعاً من النفقة الأولية حرك بها الله سيراً تطويرياً، ولقد شبه فيكتور هوغو خلق العالم، في يوم كان فيه قليل القريحة، بضربة قدم في كرة، كرة العالم الضخمة، وفي أثرها لا يزال العالم يدور من تلقاء نفسه ويحافظ على وجوده وحركته، نظراً لما في ضربة القدم من قوة إلهية لا متناهية انه لتشبيه سخيف.
ليس الفعل الخالق بداية زمنية، بل انتولوجية، و "ارتباطاً جذرياً في الكيان"، بحسب تعبير القديس توما الاكويني، حين نقول: "الله يخلق العالم"، لا نقول انه خلقه، لا يجوز أبداً أن نضع فعل خلق في صيغة الماضي فإن الله يخلق الآن، لا يجوز أن نتصور خلق العالم عملاً في الماضي، فإن الله يخلق العالم في هذا اليوم بقدر ما يخلقه في البداية، إن الفعل الخالق هو هو الآن وفي بداية العالم، وهو يتسع باتساع العالم.
لو كان الخلق صنعاً، لما جاز لنا أن نقول ذلك، ففي حالة الغرض المصنوع، كالطاولة التي اجعل عليها مرفقيَّ، لا نتكلم على عمل حالي يقوم به النجار، لأنه لا يصنع الطاولة في الوقت الحاضر، أما في حالة الخلق فإن الله يخلق الآن.
الخلق عند الله عمل بسيط، ولنأخذ هذه الكلمة بأدق معانيها وأقربها إلى الاشتقاق، البسيط هو غير المركب والعمل البسيط هو الذي لا يمكن تقسيمه إلى عمليات متتالية، في الصنع عمليات متتالية، ففي صنع الثوب مثلاً يُقص القماش أولاً، ثم يخيط ويُزين ويُطرز الخ...،أما في حالة الخلق فنكون أمام عمل بسيط لا تركيب فيه ولا تعاقب عمليات، فهو عمل لا يُجزأ، كل ما ليس بالله هو مركب بوجه من الوجوه، والله وحده بسيط على الإطلاق.
مَنْ قال إن الفعل الخالق هو عمل بسيط قال إن الطاقة الإلهية التي تخلق هي حاضرة، في آن واحد، في كامل عملها، وهذا يعني في نظر الله أن البداية والنهاية يتزامنان، فالله يخلق اليوم الشخص الذي في الخامسة والتسعين من عمره، بقدر ما خلقه حين كان في بطن أمه، وإلا وجب القول بأن الفعل الخالق هو نوع من سياق عمليات كصنع الخياطة أو المعدنة، فنكون في منتهى الصبيانية.






