تجربة في الخروج عن الموسيقى الكنسية
وإشراك الشعب في الترتيل
مارتن لوثر (1483-1547):
أطلق مارتن لوثر
الإصلاح البروتستنتي بوجه كنيسة روما في سنة 1517، وكان راهباً أوغسطينياً
ما سمح له بتذوق حلاوة الحياة المكرسة للصلاة، وولد لديه حباً عميقاً للموسيقى.
لم تكن معرفة لوثر بالموسيقى تقتصر على الترتيل الغريغوري التقليدي فحسب، بل كانت تشمل أيضاً أصول الغناء، كما كان لوثر عازف فلوت ولوت Flute & Lute ويجيد أيضاً التلحين بحسب أصول المساوقة في تلك الحقبة.
من أقوال لوثر المأثورة في الموسيقى:
"تستأهل الموسيقى أن تكرَّم أفضل تكريم،
تماماً بعد كلمة الله، فهي التي تسيطر على المشاعر الإنسانية (...) التي تتحكم
بالإنسان (...) إذا أردتم أن تريحوا المكتئب، تقلصوا التفاهة، تقووا البائسين،
تخففوا التكبر، تهدئوا الألم أو تسكنوا الذين يسكنهم الغضب (...)، أية وسيلة فضلى
لبلوغ ذلك من الموسقى".
أراد لوثر بشكل أساسي أن يعبد المسيحيون الله بصدق ووعي، ولكن ذلك لا يعني أنه أراد التخلي عن القداس اللاتيني، بل على العكس فقد اقترح حلاً مزدوجاً لمشكلة مشاركة الجماعة في Formulae Missae في سنة 1523 والقداس الألماني في سنة 1526.
بحسب لوثر، يجب ألا يستعمل القداس اللاتيني
إلا في الكاتدرائيات والأديرة حيث يناسب الطابع الاحتفالي، وحيث يفهم أكثرية
المشاركين اللغة اللاتينية.
الموسيقى التي اعتمدت في القداس الألماني كانت الغريغورية، إلا أن
لوثر أضاف بعضاً من المساوقة أحياناً لتزيّن
بعض أقسام القداس كما تفعل معظم العناصر الاحتفالية مثل الثياب وغيرها...
كان لوثر يصرّ على مشاركة الشعب كله في
الترتيل مع الجوقة، وبقي الترتيل في الكنيسة اللوثرية من دون مرافقة آلات لغاية
القرن الخامس عشر حيث أدخل الأرغن كنائس عديدة.
اعتبر المصلحون أن إمكانية أن يقرأ الشعب الكتاب المقدس بلغته الخاصة، هو
أمر أساسي، إلا أنه لم يكن بإمكان جميع الرعايا أن تقتني كتباً، فأصرّ
لوثر على حفظ التراتيل التي تدور حول مواضيع
الكتاب المقدس عن ظهر قلب عندما يكون ذلك ممكناً.
كردة فعل على قرون من التقليد، لم يكن لوثر يصرّ على الالتزام بالقواعد الليتورجية:
"ليس ضرورياً (...) أن يتبع الجميع بشكل موحد قواعد
الاحتفال التي وضعها الناس".
بكل أسف، وبحسب دراسة لـ
J.S.Bach أدى عدم وجود قواعد قاطعة إلى أن
الحركة اللوثرية فقدت اتجاهها الصحيح، بالإضافة إلى دور الموسيقى في دعم التقوى
وإعطاء أهمية للخدم الليتورجية، اعتقد لوثر
بدور الموسيقى في تلقين الأجيال الفتية القيم المسيحية، إذ يمكن بحسب لوثر، إبعاد
الشباب عن موسيقى ذات تلميحات سيئة من طريق استمالتهم إلى موسيقى نافعة.
الانحــطاط:
إدخال الموسيقى العالمية إلى الكنيسة:
أدخل لوثر الألحان غير الكنسية
إلى الكنيسة من أجل إيصال رسالة الكتاب المقدس إلى الجماعة، فأضحى
لوثر بهذا أبا النشيد الكنسي الحديث.
وركز لوثر على الألحان البسيطة
المعروفة لدى الناس البسطاء: ألحان تقوية باللاتيني أو الألماني، ألحان مدارس،
ألحان أولاد، ألحان تقليدية.. لم يكن لوثر
يدّعي بأنه موسيقي كبير، إلا أنه كان يتمتع بمقدرات مهمة في هذا المجال، وكان يتمتع
بحس عملي فيلجأ إلى الملحنين المحترفين عند الحاجة.
تطور دور هذه الألحان، في الكنيسة اللوثرية، في ما بعد وأطلق العنان لمواهب مؤلفين
كبار مثل باخ الذي أدخل الموسيقى
الأوركسترالية الاستعراضية والعاطفية إلى الكنيسة اللوثرية مع بدء القرن الثامن
عشر.
عندما عُرضت الآلام (بحسب باخ)
في مدينة كبيرة لأول مرة، بمرافقة فرقة موسيقية كبيرة، تفاجأ الناس ولم يدروا ماذا
يفكرون، كان القسم الأول من الآلام تقليدياً، فراح الناس يتابعون الترتيل في كتبهم
بتقوى، "ولكن، عندما بدأت الموسيقى الاستعراضية انصدم كل هؤلاء الأشخاص وتبادلوا
النظرات، وقالوا: إلى أين يؤدي كل هذا؟.. قالت امرأة من الطبقة النبيلة: ليحمنا
الله يا أولادي وكأننا في حفلة أوبرا.. في الواقع كان الجميع غاضبون جداً وعبّروا
عن حق عن استيائهم".
إشراك الشعب في الترتيل:
راحت الموسيقى الأوركسترالية تضعف مع اقتراب القرن التاسع عشر بسبب
انخفاض دعمها المادي، وبسبب حلول "المرحلة التقوية" التي أعلنت تياراً
متطرفاً معاكساً بشكل "فكر مستنير" يعيد التساؤل حول جميع مبادئ المسيحية
الأساسية، فعاد التشديد على تعميم المعرفة والاعتراض على متطلبات مدارس الترتيل.
ذهب هذا التيار إلى إلغاء الجوقات التقليدية المؤهلة، وجعل الترتيل من
مسؤولية الشعب كلياً، قد يبدو ذلك تدبيراً إيجابياً، إلا أن النتائج جاءت وخيمة، إذ
قلت الألحان وصار الترتيل في غاية البطء حتى "تحول كل ترتيل التسبيح والشكر إلى
ترتيل تكفير وموت".
أدى ذلك إلى انخفاض عدد الذين يقبلون على الخدم الكنسية بخاصة بوجود،
من ناحية ثانية، الموسيقى الراقية والمحترفة التي كانت تجذب الجمهور إلى الحفلات
الدينية، كانت النتيجة أخيراً أن ضعفت الكنيسة اللوثرية بشكل كبير.
في الواقع، يذكر المؤرخ Charles Burney أنه زار
Domkirche de Breme اللوثرية في سنة 1772 ويصف
الخدمة فيها بالكلمات التالية:
"(...) وجدت فيها الشعب يرتل لحناً حزيناً ومن دون مرافقة أرغن،
(...) بعد سماعي هذا اللحن وعزف الأرغن بين المقاطع يعادان 10 أو 12 مرة، ذهبت إلى
المدينة، وفي طريق عودتي بعد ساعتين مررت بقرب الكاتدرائية فوجدت الناس يغنون بصوت
واحد، وبكل ما أوتوا من قوة، اللحن عينه مع المرافقة ذاتها".
في سنة 1843 بدأت عودة الجوقات رويداً رويداً في حركة إصلاح إلى ما آل إليه إلغاؤها.






