أيتها الأرثوذكسية..تعصفُ بكِ أهوجُ العواصف..وتحاربكِ اشرسُ القوات المظلمة لاقتلاعكِ من العالم..وانتزاعكِ من قلوب الناس..ارادوكِ أملاً مفقوداً..ومتحفاً مهجوراً..وماضياً مأساوياً..وتاريخاً منسياً..لكن الله القدير الكلي الحكمة يسيطر على هذه الفوضى ويحميكِ منها وردة مفتحة تفوح بعطرها ارجاء المسكونة..ويحافظ عليكِ في قلوب البسطاء..وها انتِ كما أنتِ حيَّة قوية تغذين الاجيال وتفلحين كل بقعة جرداء..وتزرعين الأمل في نفوس الضعفاء..وتباركين الحاقدين والأعداء..وتوزعين قوة وحياة ونوراً..وتفتحين للناس ابواب الابدية..قوية عتيدة ايتها الارثوذكسية  
الصفحة الرئيسية > دينيات > عقائد وليتورجيا
الموسيقى الليتورجية عند القديس يوحنا الدمشقي                                                                المطران جوزيف العبسي

ملهم الله وقيثارة الروح:

تصف الكنيسة اليونانية أو البيزنطية القديس يوحنا الدمشقي في يوم عيده، في الرابع من كانون الأول بأنه "ملهم الله وقيثارة الروح"، وهكذا تصف الكنيسة جميع القديسين أو الآباء الذين نظموا الأناشيد، ذلك أن عملهم ما كان عملاً محضاً بل كان لله فيه يد لأنهم كانوا في عملهم يصغون إلى الله ويستلهمونه، وكانوا في ذلك بمثابة آلة يستعملها ويحركها ليبلغ بها كلامه إلى البشر.

أما علماء الموسيقى فقد أطلقوا على ناظمي الأناشيد في الكنيسة اليونانية بنوع خاص لقب melodes مريدين أن يدلوا به على أن هؤلاء الناظمين هم في الوقت عينه شعراء وملحنون، ينظمون الشعر واللحن معاً، وبتعبير آخر ما كانت الأناشيد الكنسية اليونانية كلامها من نظم امرئ، ولحنها من وضع امرئ آخر، بل كان المرء عينه ينظم الكلام ويضع له اللحن.

إلى جانب لقب melodes أطلق العلماء على ناظمي الأناشيد الكنسية اليونانية لقب hymnographes أي الذين يكتبون أو ينظمون الأناشيد، وهكذا كان القديس يوحنا الدمشقي شاعراً وموسيقياً معاً.

ناظــم الأناشيــد:

ما هي الأناشيد التي تركها لنا يوحنا الدمشقي أو التي بقيت لنا منه؟..

إن الكتب الليتورجية أو الطقسية حفظت لنا أو تذكر لنا من أناشيد القديس يوحنا الدمشقي ما يلي:

1- ميلاد السيد المسيح 25/كانون الأول (مقطوعات صلاة السَحَر بالشعر الايانبي).

2- ظهور السيد المسيح 6/كانون الثاني (مقطوعات صلاة السَحَر بالشعر الايانبي).

3- عيد الفصح المجيد (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الاول).

4- صعود السيد المسيح (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الاول).

5- العنصرة (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الخامس).

6- احد جميع القديسين بعد العنصرة (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الثامن).

7- تجلي السيد المسيح 6/آب (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الثامن).

8- رقاد السيدة العذراء 15/آب (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الرابع).

9- الحبل بيوحنا المعمدان 23/أيلول (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن السادس)

10- القديس باسيليوس الكبير 1/كانون الثاني (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الثاني).

11- القديس كيرلس الاسكندري 18/كانون الثاني (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الرابع).

12- القديس افتيميوس 20/كانون الثاني (مقطوعات صلاة السَحَر باللحن الرابع).

من الملاحظ أن هذه الأناشيد هي للأعياد السيدية في معظمها، ولأعياد قديسين كبار في الباقي، وهذا دليل على شيء سوف اذكره لاحقاً.

بالإضافة إلى هذه الأناشيد يُنسب إلى القديس يوحنا الدمشقي كتاب الألحان الثمانية (الاكتوئيخس) المخصص لموضوع القيامة، وهو كناية عن كتاب ينشد قيامة السيد المسيح بثمانية ألحان، ويُنسب إلى قديسنا بالتالي وضعه للألحان أو المقامات الثمانية، إلا أن هذه النسبة ليست أكيدة، مع الإشارة إلى احتمال أن يكون قد كان للقديس يوحنا يد في تنظيمه وتأليفه.

قد يقول قائل إن هذا الإنتاج قليل، بَيْدَ أن علينا أن نتذكر أن القديس يوحنا الدمشقي كان أيضاً وخصوصاً كاتباً لاهوتياً له مصنفات في اللاهوت منها ما له أهمية في تاريخ الفكر المسيحي.

مؤلــف القوانيــن:

إن أناشيد القديس يوحنا الدمشقي مبنية على نمط عرف في علم الهيمنوغرافيا اليونانية بأنه القانون، ولشرح ذلك لا بد لنا من إلقاء نظرة سريعة على أنماط التأليف في الأناشيد اليونانية التي ازدهر كل منها في عصر.

1- الطروبارية:

في القرن الخامس ازدهر النمط المعروف بالطروبارية، وهو كناية عن قطعة صغيرة مؤلفة من جملتين أو ثلاثة كانت تُنشد بين آيات المزامير، ثم ما لبثت أن أصبحت اكبر، وراحوا ينشدونها بين الآيات الأخيرة من المزمور، مثلاً:

فيكِ وضعت كل رجائي يا والدة الإله، فاحفظيني تحت ستر وقايتك

المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور

أيها الرسول القديس متى، تشفع إلى الإله الرحيم، أن يُنعم بغفران الزلات لنفوسنا

خلص يا رب شعبك وبارك ميراثك، وامح عبيدك المؤمنين الغلبة على البربر، واحفظ بقوة صليبك جميع المختصين بك.

2- القنـداق:

في القرنين السادس والسابع، لمع النمط الذي عرف بالقنداق، لاسيما على يد القديس رومانوس الحمصي المرنم (590-651) الذي أوصل هذا الفن إلى قمته من حيث الكمية، ومن حيث النوعية.

ويتألف هذا النمط من مقدمة، وهي قطعة أو أكثر من قطعة، غير متساوية الجمل، ومن الأبيات مبنية على وزن واحد ويبتدئ كل بيت منها بأحد أحرف الأبجدية اليونانية، ومن لازمة مؤلفة من كلمة أو جملة صغيرة تربط بين المقدمة والأبيات، أو بين الأبيات بعضها ببعض (مثل الاكاثستوس الذي له لازمتان):

المقدمة: إن الملاك المتقدم اُرسل من السماء، ليقول لوالدة الإله افرحي...

الأبيات: السلام عليكِ يا...

اللازمة: افرحي يا عروساً لا عروس لها...هللويا

3- القانون:

في القرنين الثامن والتاسع تجلى النمط الثالث الذي عُرف بنمط القانون، وهو كناية عن عدد من المجموعات يتراوح عددها بين اثنتين وتسعة، وغالباً ما تكون ثمانية، وفي كل مجموعة عدد من القطع تشكل القطعة الأولى منها الوزن الذي تبنى عليه سائر القطع، وتسمى هذه القطعة الأولى بـ(إرمُس) أي ناظمة اللحن أو الوزن، وتسمى باقي القطع (طروباريات) مثل قانون المدائح:

الإرمُس: افتح فمي فيمتلئ روحاً..

الطروباريات: لما شاهدكِ رئيس الملائكة..السلام عليكِ ايتها العذراء...

بهذا النمط وضع القديس يوحنا الدمشقي أناشيده انطلاقاً من دير القديس سابا في فلسطين حيث كان متنزهاً، لم يخترع هو هذا النمط بل كان من أربابه، أما اختراع هذا النمط فينسب إلى مواطنه وصديقه وأخيه في الرهبنة اندراوس الكريتي الذي كان مترهباً في دير القبر المقدس في فلسطين أيضاً، وقد جاراهما في كتابة القانون قزما المايومي الذي يروى عنه انه تربى مع يوحنا الدمشقي.

إن باع وبراعة القديس يوحنا الدمشقي في القانون، كانتا من القوة والشهرة والجودة، بحيث تبنّى السريان البعض من قوانينه على ما يروي ابن العبري بقوله: "في زمن يعقوب الرهاوي، وجريس العربي ابتدأت هذه الأناشيد التي دُعيت القوانين اليونانية، وهي من (وضع) رجل عالم من دمشق يدعى الخوري بن منصور، وراهب عندهم يدعى الأب قزما، انه مبدع القوانين، اعني نمطاً من القوانين ألطف من تلك التي للأول (...) وبالرغم من أن هذا الخوري (يوحنا الدمشقي) هو من حزب السينودسيين (الخلقيدونيين)، لكن بما انه لم يجرؤ أن يذكر في قوانينه كل هذه القصص الخلافية التي سببت الانشقاق فقد أخذت قوانينه تدخل كنائسنا في الشرق والغرب".

4- الأوزان الشعريــة:

قلنا إن المؤلفين الكنسيين اليونانيين كانوا في المرحلة التأسيسية على الأقل، يضعون الكلام واللحن معاً، لذلك لكي نعرف موسيقى يوحنا الدمشقي لا بد من معرفة شعره.

الشعر اليوناني الكلاسيكي:

كتب يوحنا بعض أناشيده بالوزن الكلاسيكي اليوناني المعروف بالوزن الايانبي، أي الوزن المؤلفة من أحرف قصيرة وأحرف طويلة، وهذه الأناشيد كما رأينا هي قوانين ميلاد السيد المسيح، وظهوره، والعنصرة، وان هذه القوانين هي وحدها التي دخلت في الكنيسة من دون سواها، مما وضع بالأوزان الكلاسيكية، وقد يكون السبب قوة نفوذ وشهرة الدمشقي.

لكن معظم أناشيد الدمشقي بُنيت على الطريقة التي بنى عليها المنشدون المسيحيون الذين كتبوا باللغة اليونانية، وهذه اللغة كانت تلك التي شاعت منذ فتوحات الاسكندر المقدوني وعرفت بالعامية koine وأصبحت جميع أحرفها متساوية وهذه الطريقة تقوم على أن النشيد يتألف من عدد غير محدود من الجمل، وكل جملة تتألف من عدد غير محدود من المقاطع وتتميز بعض المقاطع بأن لها نبرة.

لنأخذ مثلاً على ذلك إرمس التسبحة الأولى من سَحَر عيد الفصح:

ANASASEOS IMERA

LAMPRINTHOMEN LAYI

PASCHA KYRYIOU PASCHA

EK GAR THANATOU PROS ZOYIN

KE EK YIS PROS OURANON

CHRISTOS O THEOS

IMAS EVIVASEN

EPINIKION ADHONTAS

هذا النشيد مؤلف من /8/ جمل، والجمل مؤلفة من 8، 6، 7، 8، 7، 5، 6، 8، ونلاحظ مراكز النبرات.

5- الكتابــة الموسيقيــة:

لكن السؤال الكبير المطروح هو كيف وصلت إلينا أناشيد يوحنا الدمشقي وغيره من المنشدين المسيحيين الذين كتبوا باللغة اليونانية.

من المرجح أن الكتابة الموسيقية في أيام الدمشقي كانت معروفة، إلا أنها كانت مقتصرة على بعض العلامات التي تقود المرنم أو تساعد ذاكرته بشكل عام على إخراج اللحن الصحيح، وأما من تأليف الدمشقي فلم نعثر حتى اليوم على نشيد يحمل العلامات الموسيقية، ولا ننسى أن تناقل الألحان بالسمع والذاكرة كان الوسيلة الكبيرة الشائعة آنذاك.

6- خصائص الموسيقى عند الدمشقي:

قلنا انه لم تبلغا قطع موسيقية منوّطة بيد يوحنا الدمشقي، بل قد كان للنقل بالسمع دور كبير في إيصالها إلينا، أما القطع المنوّطة التي يُنسب إليه تأليفها فقد نوّطتها أيد متأخرة، واغلب الظن أنها قد ابتعدت ولو قليلاً عما وضعت فيه في الأصل وعلى أي حال فما كان التنويط في عهد يوحنا الدمشقي متطوراً كما هو اليوم.

إلا أننا مع ذلك نستطيع أن نؤكد، بقدر لا بأس به من الصحة الألحان المنسوبة إليه، ومن هذه الألحان أود أن أتوقف على قانون الفصح لكي استخلص أهم خصائص موسيقاه التي اعتقد أنها لا تخرج عن خصائص الموسيقى الكنسية اليونانية في عصره.

لنسمع التسبحة الأولى من قانون القيامة باللحن الأول الذي يقابل نوعاً ما مقام البيات في الموسيقى العربية، إن موسيقاه التي تنطبق خصائصها على سائر تآليفه هي موسيقى مقامية، فيها المدى القصير من مربع أو مخمس الأوتار وقليلاً المثمن الأوتار، ثم الجمل القصيرة، وقلة الزخرفة، ومطابقة اللحن للكلام، والأبعاد الصغيرة، والدرجات المتتالية.

7- النقــل إلى السريانيــة:

لقد اشرنا في الأعلى إلى أن ابن العبري ذكر أن السريان قد تبنوا بعض القوانين التي أنشأها يوحنا الدمشقي وقزما المايومي، وهنا لا بد من الإشارة أيضاً إلى أن نقل الأناشيد اليونانية إلى اللغة السريانية قد شهد حركة واسعة شملت كل التراث الموسيقي اليوناني على مدى أجيال، وقد يكون يوحنا الذي كان يتقن العربية بحسب بعض الباحثين، كان من المشجعين على حركة النقل إلى السريانية، إذ كان ولا شك على علم بأن كثراً من أبناء كنيسته ووطنه ومنهم الرهبان ما كانوا يعرفون إلا السريانية.

أما طريقة النقل إلى السريانية فمن قراءتها يتبين لنا أن الناقلين قد حافظوا على اللحن مما اضطرهم إلى تعديل الكلام عند الضرورة، وهذا مثل على ذلك إرمس التسبحة الأولى من قانون سحر عيد الفصح:

YAWMAW DA QYOMTO TAW

KHOULAN

MHAYMNE NAFREG BHAGO

FESHAW GER DMORYO FESHAW

MEN MAWTO GER LWOT HAYE

WMEN AR'O LOH LASHMAYO

MSHIHO ALOHO

LKHOULAN BNOUHOMEH A'BAR

BYAD SHOUBHO DZOKHOUTO

MYABBINAN

8- الخاتمــة:

اختم حديثي عن الموسيقى الليتورجية عند القديس يوحنا الدمشقي بالإشارة إلى أن هذا الرجل الكبير على أكثر من صعيد، وابن دمشق، كان من المبدعين في تاريخ الكنيسة، ولقد ترك لنا تراثاً موسيقياً ليتورجياً من واجبنا ومن مصلحتنا المحافظة عليه، وتسليمه إلى الأجيال اللاحقة بكل أمانة وصدق، ومن اجل هذا الواجب وهذه الأمانة نقله من عاصروه أو من لحقوه ممن كانوا يتكلمون السريانية إلى لغتهم لأنهم رأوا فيه تراثهم، فهل بقينا نحن الناطقين بالضاد على الواجب والأمانة حين نقلناه إلى العربية؟.. الجواب هو لا، أما السبب فإن الحديث عنه هو موضوع آخر.

 

 

                                       

الصفحة الرئيسية  |  الكنيسة  |  آبائيات  |  دينيات  |  مقالات  |  نشاطات  |  معلومات  |  أماكن مقدسة  |  خريطة الموقع  |  أتصل بنا
© 2006-2009 الأب الكسندروس اسد. جميع الحقوق محفوظة - تصميم وتطوير اسد للتصميم