1- القداس الإلهي مائدة:
هو عشاء الرب،
وفيه يقدم لنا ذاته طعاماً، إن المحبة تستدعي الاتحاد، وأكمل صورة
مادية لهذا الاتحاد الأطعمة بالجسم البشري، إذ تتحول إلى لحمه ودمه
وعظامه، لذلك نرى الأم تعبر عن محبتها لطفلها بقولها إنها تود أن
تأكله، كذلك إذ شاء الرب يسوع لعظمة محبته التي لا تحد، أن يتحد بنا
بأكمل صورة ممكنة، لقد أعطانا ذاته
بشكل
طعام في سر الشكر، ولكن الفرق بين
الطعام الإلهي والطعام الاعتيادي هو أن الأخير يتحول إلينا عندما
نتناوله، بينما الأول عندما نتناوله يحولنا
إليه سرياً، وتسري حياة يسوع الإلهية فينا، ويمكننا الترديد
مع الرسول بولس :" لست أنا أحيا ولكن المسيح
يحيا فيَّ " (غلاطية 19:2).
وباقترابنا من المائدة الإلهية نتحد نحن أيضا ببعضنا البعض، عندما يريد البشر التعبير عن اتحادهم أو توطيده يجتمعون حول مائدة واحدة لتناول الطعام سوية، ويقال عندنا للتعبير عن الاتحاد بين شخصين : " بينهما خبز وملح "، هكذا فالمؤمنون يتحدون بعضهم ببعض ويصبحون جسداً واحداً عندما يتناولون كلهم من المائدة الإلهية الواحدة : الخبزة الواحدة، ونحن الكثيرون قد أصبحنا جسداً واحداً لأننا أكلنا من الخبزة الواحدة، يأتي المؤمنون إلى الكنيسة متفرقين ينتمون إلى بيئات مختلفة وطبقات متعددة، ولهم اهتماماتهم ومشاكلهم المختلفة، ولكن عندما يتحدون بالمسيح الواحد الذي تجسد وصلب " ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد "(يو 52:61)، يتوحدون ويؤلفون عندئذ لا مجموعة أفراد بل شركة حقة أو شعباً لله، لذلك يهتف الكاهن بعد المناولة : " خلص يا رب شعبك وبارك ميراثك ".
هذه الوحدة التي تتم بين المؤمنين بالمناولة ترمز إليها مادة السر نفسها، فالخبز الذي تحول إلى جسد المسيح مؤلف من حبوب عديدة من الحنطة اندمجت كلها لتؤلف وحدة متماسكة، وكذلك الخمر التي تتحول إلى دمه المقدس هو عصارة حبوب عديدة من العنب.
إذاً، فالقداس الإلهي هو مائدة الوحدة، وحدتنا مع المسيح ووحدتنا مع الإخوة، انه سر الشركة، وهذه المائدة هي في الأساس غاية القداس الإلهي، لقد وجد القداس من اجل المناولة وهو جوهر تهيئة لها، ويظهر جلياً من تركيب خدمة القداس الإلهي، فالكاهن قبل عرض الكأس يتلو صلاة سرية يقول في نهايتها:"وارتض أن تناولنا بيدك العزيزة جسدك الطاهر ودمك الكريم، وبواسطتنا لكل شعبك"، ثم عند عرض الكأس يدعو المؤمنين بصراحة إلى المناولة قائلاً " بخوف الله وإيمان ومحبة تقدموا "، وبعدئذ يعلن :" إذ قد تناولنا مستقيمين أسرار المسيح الإله ...فلنشكر الرب باستحقاق...".
إن المناولة هي قمة القداس الإلهي وغايته، ولا يجوز إذاً أن نتناول خارج القداس الإلهي إلا في حالة المرض الذي يمنع من الاشتراك في القداس، فعندئذ يتناول المريض من الذخيرة الموضوعة خصيصاً لهذه الغاية وهي عبارة عن جسد المسيح ودمه بشكل أجزاء صغيرة جداً وموجودة في بيت القربان فوق المائدة المقدسة.
2- القداس الإلهي ذبيحة :
لقد قدم يسوع ذاته ذبيحة مرة واحدة إلى الرب من اجلنا على جبل الجلجلة، وكانت هذه الذبيحة الفائقة الوصف كافية لافتداء الجنس البشري بأجمعه.
ولكن الأعمال الخلاصية التي قام بها يسوع وهو في الجسد الترابي الذي اتخذه، لا تزال مستمرة في الكنيسة التي هي جسده الممتد عبر الأجيال، ولا يزال يسوع نفسه الذي كان يعمل في فلسطين، يعمل هو نفسه في الكنيسة بواسطة الروح القدس، وبهذا المعنى قال لتلاميذه :" أنا معكم كل الأيام والى انقضاء الدهر "(متى 20:28).
فكما أن البَرَكة التي أعطاها الله للزواج مرة واحدة عندما قال :" انموا وأكثروا واملئوا الأرض.."(تك 28:1)، لا تزال تأتي مفعولها في كل مرة يتحد فيها رجل وامرأة بالزواج، هكذا الذبيحة الواحدة التي قدمها يسوع من اجل خلاصنا لا تزال بمفعولها الخلاصي في كل قداس الهي.
القداس الإلهي إذاً هو استمرار لذبيحة الصليب، انه يجعلها حاضرة فاعلة في وقت ومكان معينين، لذلك قال الرسول بولس :" كلما أكلتم من هذا الخبز، وشربتم من هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء "(1كو26:11)المناولة تبث الحياة المتدفقة من صليب يسوع.
ولكن هناك فرقين أساسيين بين ذبيحة الجلجلة، وذبيحة القداس الإلهي.
أ- الأولى جرت مرة واحدة، والثانية تجري كلما أقيم القداس الإلهي.
ب- الأولى دموية، تألم فيها يسوع، وسفك دمه، ومات من اجلنا،
أما الثانية فغير دموية لأن يسوع تمجد بعد قيامته "فلا يسود عليه الموت من بعد"، ولكننا بها ننال مفعول آلام يسوع الخلاصية.
ولكي نستفيد نحن من ذبيحة الصليب المستمرة في القداس الإلهي، ينبغي أن نساهم شخصياً بها، وذلك بأن نقدم ذواتنا في كل قداس لله الآب بالاشتراك في ذبيحة ابنه، وتقديم ذواتنا هذا يعني أولا أن نتوب بالمعنى العميق، أي بتغيير الذهن، والعقلية، والاتجاه، والحياة، وهذا لا يتم بدون ألم، ويعني أيضاً أن نضع شخصنا وحياتنا بتصرف الله ونكرس له كل إمكاناتنا، وآمالنا، وأفراحنا، ومشاريعنا، وأشغالنا، ومشاكلنا، وأتعابنا، وخيباتنا، وهذا يتطلب الانفصال التام عن " الأنــا " المنكمش، والانفتاح إلى الله في موقف عطاء لا يتم ذلك بدون ألم، فالقداس الإلهي إذاً هو اشتراك في صليب الرب ينتج منه اشتراك في قيامته، في كل قداس إلهي تجتاز حياتنا سر الصليب ليشرق عليها نور القيامة.
وهكذا يكون القداس الإلهي في آن واحد اشتراكاً في صليب الرب ومقدمة للقيامة التي سنحصل عليها عند المجيء الثاني المجيد، انه في آن واحد ذكرى موت الرب، ذكرى فاعلة لأن القداس هو استمرار لذبيحة الصليب وانتظار لمجيئه، وهذا الانتظار هو أيضاً فعّال لأنه يعني أن القداس الإلهي وبنوع خاص المناولة التي هي قمته، يجددنا ويبدأ فينا هذه القيامة التي سيهبنا الرب إياها تامة في اليوم الأخير، وبهذا المعنى قال الرب :" من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير"(يوحنا 56:6)، المناولة هي عربون القيامة والقداس الإلهي كوة تطل على أفق المجيء الثاني الإلهي، انه يجمع بين ذكرى آلام الرب الخلاصية، وانتظار مجيئه الثاني الذي به يبلغ الخلاص كماله :
" تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء " (1كو 26:11).






