أسئلة
كثيرة تراود أذهاننا حين ندخل كنيسة السيدة.. متى بُنيت؟.. ما هي أهم الأحداث
التاريخية التي مرّت بها وأثرت عليها؟.. ما هي أهم موجوداتها ومن أين أتت، وهل تشكل
تاريخاً وأثراً في النفوس؟.. وكيف لنا نحن الأبناء أن نحيي هذا التراث ولا نجعله
أثراً بعد عين؟..
للإجابة على هذه الأسئلة لا بد من قراءة سريعة في كتابات المؤرخين والرحالة، وحتى الحجارة لتكشف لنا كنزاً حقيقياً كائناً بين أيدينا قد تركه لنا أسلافنا شهادة عن حبهم لكنيستهم رغم كل الظروف القاسية، والمحن والكوارث التي عانوها، فتأتي هذه الكنيسة وموجوداتها جواباً روحياً يحمل بين طياته إيماناً حياً عظيماً تركوه لنا أمانة في وجداننا الروحي.
قال أبو فضل محمد بن الشحنة من كتاب "الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب":
"في مطلع القرن الخامس عشر، استحدثت في حلب حارات خارج الأسوار من بينها حارة (النصارى) وهي المعروفة بالجُديدة...".
وقال الرحالة الإفرنجي Pietro Della Veiie وقد زار حلب سنة 1625:
"قادني حب الاستطلاع، فزرت في ضواحي حلب كنائس المسيحيين الشرقيين، التي شُيدت في الشارع المسمى الجُديدة وهو مستحدث.. وجدت في بادئ ذي بدء أربعاً من الكنائس محصورة في باحة واحدة، ويُدخل إليها من الشارع من باب واحد..".
وجاء في حاشية من مخطوط برقم /70/ من مكتبة المطرانية الأرمنية بحلب، وضعها الورتبيت موسيس عند عودته من زيارة الأماكن المقدسة ومروره بحلب سنة 1500:
"إن احد أثرياء الأرمن الحلبيين واسمه الريس عيساي، لم يكتفِ بتوسيع كنيسة الأربعين شهيداً، بل قام بترميمات في الكنيستين المجاورتين لها، اعني بهما كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس.. والثانية كنيسة مار الياس للموارنة...".
هذه بعض شهادات تاريخية تثبت ان كنيستنا قد شُيدت في النصف الأول من القرن الخامس عشر، حين شيّد المسيحيون منطقة خاصة بهم سُميت "الجديدة"، وهي خارج الأسوار وبعد خندق السور (المعروفة اليوم بجادة الخندق)، وعلى امتداد ثلاثة أبواب حلب وهي: باب الحديد، وباب النصر، وباب الفرج، وأنها كانت مجموعة كنائس تجمعها ساحة واحدة ومدخل واحد وهي: كنيسة الأربعين شهيداً ، وكنيسة السيدة وكلاهما للأرمن الأرثوذكس، وكنيسة مار الياس للموارنة، وكنيستنا الواردة بعد أسماء – القديس جاورجيوس، ورقاد السيدة العذراء – وتجاورهم خلف هيكل كنيستنا كنيسة السريان، وان هذه الكنائس قد رُممت سنة 1500 من قبل احد أثرياء الأرمن مما يدل على أنها كانت قبل هذا التاريخ بزمن طويل، بحيث دعت الحاجة في السنة المذكورة إلى ترميمها.
لكن الثابت أيضاً أن الكنيسة قد تجددت عام 1850 في عهد المطران كيرللس القبرصي
(1844-1861)، وهذا ما نقرأه من بعض حجارتها، فالحجر الأسود الموجود عند قبة الكنيسة
كتب عليه: "الله في وسطها فلن تتزعزع سنة 1850"،
والحجر الموجود فوق باب مدخل الكنيسة قد كتب عليه: "بأمر
ملكنا الأعظم السلطان عبد المجيد خان تجددت هذه الكنيسة برئاسة السيد المطران
كيرللس سنة 1852"، ولا يدعونا هذان التاريخان إلى الاستغراب، إذ ليس
فيهما أية مغالطة تاريخية، فالأول سنة (1850)، وهو تاريخ انتهاء أعمال البناء،
والثاني سنة (1852)، وهو تاريخ انتهاء أعمال الترميم بعد ما أصاب الكنيسة من أضرار
ناتجة عن "الحوادث" التي حصلت في حادثة "مذبحة حلب" الشهيرة سنة
1850، وبدء استخدام الكنيسة.![]()
سؤالان مهمان جداً يراودان أذهاننا وهما: ماذا تعني كلمة تجددت؟..
والثاني: لماذا منسوب بناء كنيستنا أعلى من مستوى الأبنية المجاورة لها؟..
الزلزال الذي ضرب حلب في 13/آب/1822، يجيبنا على هذين السؤالين، لأنه دمّر الكثير من أبنية المدينة ومنها كنيستنا، مما حدا بأبنائنا إلى إعادة النهوض بها وبنائها من جديد، فاستخدموا مبنى الكنيسة القديم أساساً للبناء الجديد، بعد أن ركوها وتوسعوا بها طولياً نحو الشرق باتجاه الكنيسة السريانية، بعد أن قببوا طريق الصليبة المتجه نحو ساحة فرحات – حالياً – وهكذا اكتسبوا اكبر مساحة ممكنة هندسياً، فحولوا شكل الكنيسة من شكل عرضاني (العامودان الأولان مع غرفتي العماد والاعتراف حتى آخر الباحة الحالية) إلى شكل طولاني بازليكي بثلاثة أروقة، واستفادوا من الباحة الجديدة كمدفن لرجال الاكليروس، وهذا أيضاً يفسر لنا ارتفاع الكنيسة عن باقي الأبنية المجاورة لها (طابق أول تقريباً)، فلكي تدخل إليها يجب أن تصعد من الساحة الأساسية خمس درجات، ثم درجة واحدة أخرى إلى الرواق، ومنه ثلاثة درجات إلى باب الكنيسة.
ومما نقرأه في يوميات المعلم نعوم بخاش، والمعاصر لزمن جديد الكنيسة في كتاب "أخبار حلب" الذي حققه وفهرسه الأب يوسف قوشاقجي، نعلم مثلاً انه في يوم: "الاثنين 6/آب/1849 ما يلي: بديوا يفكوا حوش بيت حسون لأجل عمارة كنيسة الروم" (جزء 2 صفحة 147)، وبيت حسون هذا هو البيت الواقع على الطرف الآخر من طريق المصلبية، والذي استخدم لتوسيع الكنيسة طولياً باتجاه كنيسة السريان (مار آسيا الحكيم)، ونستنتج من هذا القول أن أعمال البناء في هذا التاريخ كانت قائمة، وأمثلة أخرى أيضاً من نفس الشاهد عن سير العمارة فقرأ: "يوم السبت 1/حزيران/1850، اجا حديد للعواميد كل واحدة على جمل من طرف وعددهم /8/ من الاسكلة (الميناء) للروم"، وأيضاً "يوم الأحد 8/حزيران/1850جابوا الفعالة بالليل عامود للروم ومعهم مشعل والله سون وزلاغيط وذلك الساعة /5/ من ليل الأحد الماضي" (جزء 2 صفحة 189)، وهذه دلالة على مدى مشاركة المؤمنين بفرح عظيم لبناء كنيستهم وحبهم لها.
وشهادة أخرى نقرؤها للكاتب نفسه ويقول: "في يوم السبت 11/كانون الأول/1851، أرسل خلفي مطران الروم كيرللس لكي اكتب حجر للكنيسة (الله في وسطها فلا تتزعزع)، وكتبتها الجمعة والسبت خلصت" (جزء 2 صفحة 260)، وما نقرأه من الشهادة الأخيرة أن الأعمال كلها كانت قد انتهت، وحتى أعمال الترميم بعد "الحوادث"، وأن الكنيسة قد أصبحت جاهزة تقريباً للاستخدام.
أما أهم موجودات كنيستنا وكنوزها فهي: من حيث البناء، دقة العمارة المذهلة
حتى زماننا رغم كل تقنياته، وعواميد الكنيسة الأربعة (ارتفاع كل عامود خمسة أمتار
وهو قطعة واحدة)، وهم من مرمر حلب، أو الحجر البعيديني الذي اشتهرت به مدينة
حلب، والتيجان البديعة الصنع والجمال فوق العواميد، وزنانير النحاس الأصفر في أسفل
ورأس كل عامود، والأقواس المدببة الرأس، وصناعة المرمر الملون في ارض الكنيسة
وجدران الهيكل.![]()
أما من حيث الموجودات، ففيها مجموعة كبيرة ورائعة من أيقونات المدرسة الحلبية الشهيرة، إضافة إلى أيقونات من المدرسة الروسية والأورشليمية واليونانية، والموجودات الخشبية هي فريدة من حيث الصنع والجمال، كمثل الأيقونسطاس الذي ينيف عمره عن الثلاثمائة عام، والمنسوب أصلاً لكنيسة رقاد السيدة العذراء في محروسة الله كلّز، وكرسي العرش المؤرخ صنعه عام 1874، والآمبون (منبر الوعظ)، هذا وبالإضافة إلى مجموعات كبيرة من الأواني الكنيسة الفضية والمذهبة، والثياب الكهنوتية الغالية الثمن، والمخطوطات المتنوعة...
هذا ما مرت به كنيستنا في حلب، مؤمنين وحجارة مخلدين بأحرف من نور إيمانهم العظيم، تاركين لنا وديعة روحية حقيقية، لذلك وحرصاً منا على هذه الوديعة فقد عملنا على القطعة الوحيدة المتبقية من كنيسة القرن الخامس عشر، والواقعة تحت الجرسية، وجعلناها "مزاراً" أسميناه "أم النور"، ليبقى منارة مشعة بشفاعة سيدته أم النور لأبنائنا والأجيال القادمة، والذي أبوابه ستبقى مفتوحة من الساعة العاشرة صباحاً وحتى السادسة مساء من كل يوم، علماً بأنه ستقام فيه صلاة "البراكليسي" الساعة السادسة من كل يوم ثلاثاء.
وأمانة وحرصاً منا على الكنوز التي تركها لنا آباؤنا من أيقونات وأواني كنسية، وكل ما هو كنسي، وبتوجيه من سيادة راعينا الجليل المطران بولس، عملنا وبشكل لائق على إبرازها تحت اسم "متحف كنيسة رقاد السيدة"، والذي له نظام استخدام خاص للاطلاع عليه.
ملاحظة: للاطلاع على بعض الأيقونات
للمدرسة الحلبية، اضغط هنا...
الأيقونات
الحلبية.






