إيماني أن يسوع ابن مريم هو أيضاً "ابن الله الوحيد، المولود من
الآب قبل كل الدهور"، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، الذي تجسّد فأخذ،
حقيقة، طبيعتنا البشرية كل مقوماتها: الجسد والنفس والعقل والإرادة الحرة، فعاش
وتألم ومات وقُبر وقام "لأجل خلاصنا"، أي لأجل إنهاضنا وإدخالنا معه،
بواقعنا البشري المفتدى، إلى قلب الثالوث.![]()
هذه الحقائق المدهشة كيف توصلنا إلى الإيمان بها؟...
انطلاقاً مِمَّ، واستناداً إلامَ؟..
انطلاقا من اختيار تلاميذ يسوع الأولين، واستناداً إليه.
يسوع الناصري دعا البعض لإتباعه، تبعوه وعاشروه مدة ثلاث سنوات، فحدثتهم قلوبهم بأن هناك "أعظم من يونان، وأعظم من سليمان" (متى 41:12-421)، لا بل وأعظم من الإنسان (متى 27:8)، هناك "ابن الله الحي"، كما أجاب سمعان بن يونا على سؤال المسيح: "..وأنتم، مَنْ تقولون أني أنا هو؟.." لم يُخطئِّه المسيح، بل حبَّذ جوابه، وهنأه قائلاً: "طوبى لك يا سمعان ابن يونا، فليس اللحم ودم كشفا لك هذا، بل أبي الذي في السماوات" (متى 16:15-17).
غير أن الرسل شهود حياته وموته وقيامته، لم يتساءلوا بجدية عن علاقته بالآب إلا بعد القيامة وبعد "صعوده" إلى ذلك الذي كان يدعوه "أباً"، فصاروا يتساءلون.
"مَنْ هو المسيح، في النتيجة، بالنسبة إلى الآب؟..وبالتالي، مَنْ يكون قبل حلوله فيما بيننا؟..".
فتوصلوا إلى هذا الاستنتاج الذي يعبّر عنه الرسولان بولس ويوحنا: كما يظهر يسوع في القيامة "ابناً لله في القوة"، كذلك كان "قبل أن يكون العالم"، وقبل أن "يخرج من الله ويأتي متجسداً" (رومية 4:1 و يوحنا 5:17 وأفسس 4:1 و يوحنا 42:8 و 1يوحنا 2:4).
هذه هي العقيدة التي أعلنها أولئك الذين أوكل إليهم المسيح أمر إذاعة بشرى الخلاص (متى 19:20-20)، فقالوا للعالم إن يسوع هو إله وإنسان معاً، "مسحه الآب وأرسله" (لوقا 18:4 وأعمال الرسل 38:10 ويوحنا 36:5)، ولم يمسح رسولاً غيره به ليكون لنا النهوض والخلاص: "يا رؤساء الشعب ويا أيها الشيوخ- يقول القديس بطرس- يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه هو الحجر الذي رذلتموه، فصار رأساً للزاوية، فلا خلاص بأحد غيره، لأنه ما من اسم آخر تحت السماء اُطلق على أحد الناس ننال به الخلاص" (أعمال الرسل 8:4-12).
صعب على العقل البشري البحث أن يفهم كل ذلك ويعترف به، من هنا جميع الآراء المغلوطة، من حيث مفهوم هوية المسيح، عند المفكرين الذين حاولوا أن "يفسروا" سر المسيح، كما لو أن "السر" يُفسر!.. حتى سر الإنسان العادي يصعب علينا تفسيره، فكم بالأحرى سر إنسان مثل المسيح ؟!..
لهذا السبب كثر عدد الذين، من حيث شخصية المسيح الحقيقية، وقعوا في شتى الأخطاء والانحرافات والهرطقات، فكان المسيح المبتور في ناسوته بحجة أنه مهين لله، في عزته وسموه، أن يكون إنساناً بكل معنى الكلمة، فالمسيح إنسان فقط بالمظهر والشكل، فوُلد بالشكل ومات بالشكل..
وكان المسيح المبتور في لاهوته بحجة أنه مهين للإنسان، في حريته واستقلاله الذاتي، أن يكون بلا مكانة في كائن هو إله وإنسان معاً.. وكان المسيح ذو الجسم البشري بدون نفس بشرية بحجة أن النفس البشرية ضعيفة وقابلة للتجربة والخطيئة.. وكان المسيح ذو الطبيعة والواحدة والمشيئة الواحدة هما الطبيعة الإلهية والمشيئة الإلهية.. وكان المسيح المجهول الهوية الذي لا يهمنا منه كيف وُلد، وكيف عاش، وكيف مات، وإن هو قام أم لا من بين الأموات.. ما يهمنا معرفة ما قاله..هذه الهرطقات نستعرضها الآن..
مسيح الهراطقة:
"مسيح الهراطقة، هو المسيح المبتور في لاهوته أو ناسوته"
أن يكون هناك إله هو إنسان أيضاً، هذا لم يكن ليتصوره العالم اليوناني حيث انطلقت المسيحية، كانوا حقاً يعتقدون أن هناك بشراً شبيهين بالآلهة، نصفهم أبطال ونصفهم آلهة، وكانوا يسلمون باحتمال قدوم أحد السماويين لزيارة الأرض، أما أن يكون هناك إله وإنسان في آن واحد فهذا ما "يمجه" العقل، يقول سيلس الفيلسوف الأفلاطوني المعادي للمسيحية: "غير معقول أن يكون للإله جسد مثل جسدك، فهو لا يتغذى كما أنت تتغذى، ولا يستعمل الصوت مثلك للنطق، والدم الذي يسيل في عروقك هل يشبه الدم الذي يسيل في عروق إله؟..فما هو ذلك "الابن لله" الذي لم يستطع أبوه أن يخلصه من أكثر العذابات عاراً؟..". هذا غير معقول..المعقول هو إما إله، وإما إنسان، فإن كان المسيح إلهاً، أي مكان بعد للإنسان؟..وان كان إنساناً فأي مكان بعد للإله؟.. ولما كان أن الأسهل والأعقل هو الاعتقاد أن المسيح ليس إلا إنساناً، فسرعان ما نزعوا عنه الألوهية، واعتبروا المسيحية ديانة بشرية، ليس إلا...
أن يكون هناك إله هو إنسان أيضاً، هذا ما لم ليتصوره العالم اليوناني حيث انطلقت المسيحية..وان يكون هناك إنسان هو إله أيضاً، هذا ما لم ليتصوره العالم اليهودي حيث نشأت المسيحية، كانوا حقاً يسلمون بأن يأتي نبي من قبل الله ليعلن مشيئته، ويهيئ لملكوته، فيكون "مقتدراً على العمل والقول" (لوقا 19:24)، أما أن يكون هذا المُرسَل إلهاً، حتى لو سُميَ "ابن الله" كما كانوا يسمون الشعب أو الملك، فهذا ما يمجه العقل ويستنكره.
لهذا السبب كان، في ما مضى وفي نظر الهراطقة، مسيح هو ابن الله بالتبني ليس إلا، لأنه مناف للعقل أن يكون هناك إلهان، أو يكون الشخص الواحد مولوداً وغير مولود، أو يكون الله قابلاً للعذاب..وكان مسيح ابن مريم ليس لا، أقنوم مستقل فيه سكن أقنوم آخر مستقل هو أيضاً : أقنوم الابن الأزلي، إذ انه مستحيل أن يصير الله بشراً.. وكان في العصور الحديثة مسيح "مُصنَّع"، مفربك على ذوق أي حامل قلماً، بحجة أن المسيح ليس حكراً على الكنيسة فقط بل هو للجميع، فيحق لأي كان أن يفهمه "على ذوقه"، أي بالتوافق مع نزعاته..
هناك سؤال هام: لولا الكنيسة، هل كنتم قد تعرفتم على المسيح؟..
مجرد سؤال..سؤال، وتعليق صغير: إذا قدّمتُ لك شخص اعرفه أنا، وأنت لا تعرفه، وقلت لك هذا هو فلان، فمن أين يحق لك أن تقول لي هذا غير صحيح؟.. ومن أين لك الحق بأن تقول لي عكس ما قلته لك؟..
وهكذا استنبطوا لهم "مسحاء" كلهم بشر وكل واحد منهم بقياس، حسب القوالب التي صبّوه فيها: فهذا حكيم الجنس البشري فقط، وذاك معلم الفضائل فقط، وهاك قائد الثورات الاجتماعية "جمهوري الأزمنة"، وآخر المصلح الثائر، والاشتراكي والشيوعي، وتشي غيفارا الأجيال، يسوع التاريخ الذي لا علاقة له بمسيح الإيمان، يسوع الملحد، يسوع المناضل، يسوع حركة "ثورة يسوع" في أميركا...حتى واستنبطوا "يسوعاً بيولوجياً" اختراع الصحفي روجيه موج.
وكأني بقصتهم جميعاً تشبه قصة شارلوك هولمز في احد الأفلام السينمائية، إذ يود أن يسافر وهو على عجلة من أمره، فتناول حقيبة صغيرة ووضع فيها جميع حاجاته بسرعة وأغلقها، إلا أنه شاهد بعض حاجاته قد ظهرت من الحقيبة من هذا الجانب وذاك، فأخذ مقصاً وابتدأ يقص كل شيء لم تستوعبه الحقيبة، هذه هي قصتهم مع المسيح، وشخصيته الحقيقية، التي لم تستوعبها "حقائب" عقولهم الضيّقة.
ا






