الاستنساخ هو الثمرة التي حرَّم الله علينا أن نمسها لئلا نبطل عمل الخلق ، لأن
الخلق هو الحب والاستنساخ هو تعدٍ على الخلق وتعدٍ على استمرار الخلق والحب.
هل يجب أن يستمر البحث التماساً للاستنساخ البشري هذا ليس مجرد سؤال تكنولوجي؟..انه سؤال يتعلق بأخلاق الحياة bioethics إذ هو أخيراً السؤال حول حقنا على الخلايا البشرية. من هذه الهواجس ما يتعلق بالجنين وقتله من أجل حياة أفضل ومنها تكوين كائن بشري عن طريق ما سمي الاستنساخ.
يؤلمني في بعض أوساطنا هذا السكر بالتكنولوجيا كأنها مطلق وكأنها آخر كلمات الحقيقة، أو كأن لها قدسية بحد نفسها، ونحن ننسى أن العلم وجد للإنسان وليس الإنسان للعلم. ذلك أن سلامة الإنسان الروحية في استقامة فكره واستقامة سلوكه هي الأولى. وإذ قالت كلمة الله شيئاً فليس لتتكلم على غير سلامة الإنسان واستوائه على الحق. في هذه الحالة التي تعنينا أنا لا أواجه هذه التجربة التكنولوجية بكلمة الله كأن هذه تشمل المدى التكنولوجي لتسنده أو توقفه اعتباطاً وتعسفاً، إذ يمكنك أن تستنتج من الكلمة ما هو عقلي ويحاكم تالياً التطور العلمي.
مهما يكن من أمر أنا أنطلق من التجربة الإنسانية منذ ظهور الإنسان بصورته الحاضرة. هذا كان يعرف شيئاً واحداً في مجال انتقال الحياة: التجاذب بين الرجل والمرأة ونتيجته التجانس والإنجاب. هذا هو الذي كان ولا يزال قائماً. وليس المجال هنا لأبحث عن ظهور العاطفة كحافز للمجانسة أو مرافقة لها أو تابعة لها. ولكن في مرحلة من مراحل التطور الثقافي لاحظنا وجود الحب مكوناً من مكونات العلاقة بين الرجل والمرأة. ولاحظنا نشوء العائلة كحالة وجود ثم كحالة ميثاق بين الذكر والأنثى.
انكشف هذا الغنى تدريجاً في ارتقاء الحضارة بمعنى أن العلاقة البشرية في الزواج تأنسنت كثيراً ثمرة للأديان والشعر وذاكرة الجماعة. لكن المنطلق كان هذا الدفع الجنسي القائم في عالم الحيوان وعالم النبات. وما يقوم في الذهن إزاء المجازفات الجديدة هو لماذا يريد بعض هذه الـ"كركبة" أي إرباك وجود لنا حلو، طيب، بسيط، في متناول كل الناس للسعي وراء محاولات لا نفع فيها.
أما أن يكون المبرر التحنن على العقيم ليكون له ولد، فالحقيقة أن هذا الولد ليس منه إذ يكون قد استُخرج من أي كائن آخر أكان هذا الزوجة أم غير الزوجة.
ويكون هذا العقيم فعلاً قد تبنى المستنسخ تبنياً. فلماذا لا يتبنى طفلاً موجوداً نشأ بصورة طبيعية، أو لماذا لا يتعهد طفلاً أو يربيه إن كان ينتمي الإنسان إلى عقيدة ترفض التبني؟.. الاستنساخ لا يحل عقدة العقيم الذي يرفض عقمه.
ولكن أعظم ما يزعج في موقف دعاة الاستنساخ أن أياً منهم يريد إنساناً على صورته، وشرفنا نحن أن نكون على صورة الله. من أنا لأشتهي أن يأتي من لحمي كائن يكون شبيهاً بي وكأن الله خلقني وكسر القالب، أو كأنه لا ينتج مني ومن زوجتي كائن ثالث يكون جامعاً صفات أبوية أو افضل منهما؟..
هذا يذهب بنا إلى الكلام الإلهي المنشئ للإنسانية على ما ورد في سفر التكوين. في مطلع الكلام عن الإنسان من حيث هو نوع أي بلا إشارة إلى الذكورة والأنوثة يقول الله: "لنَصنعنّ الإنسان على صورتنا ومثالنا" حتى يؤكد انه "خلق الإنسان على صورته ومثاله". ويتلو هذا الكلام تواً قول الرب: "ذكراً وأنثى خلقهم". فإذا أحسنا القراءة من حيث اللغة يكون الإنسان ذكراً وأنثى، أي يكون ذكراً وأنثى مجتمعين لا ذكوراً على حدة وإناثاً على حدة. المراد بذلك القول كله أن البشرية تقوم على الاثنينية في الجنس (كما كان يقال في اللغة القديمة أو الثنائية في اللغة الحديثة).
وحتى لا يظن أن الكتاب الإلهي يصف البشرية في جنسيتها التشريحية أو الفيزيولوجية أضاف الله: "ويكونان كلاهما جسداً واحداً" (بالتعبير الحديث كياناً واحداً). "ولهذا يترك الإنسان أبه وأمه ويلزم امرأته". (وهنا تبريك الله للعائلة). بمعنى آخر أن القصد الإلهي هو الوحدة البشرية. ولكن وصولاً إلى هذه الوحدة يدخل الإنسان في مجانسة الرجل والمرأة من حيث انهما فريدان، ومن حيث أن الفرادتين تلتقيان في الوحدة وركيزتها الطبيعية والمجتمعية هي العائلة. فالإنسان السوي المتكامل ناشئ من الحب الذي يبلغ آخر مجراه في الالتقاء الظاهر جسدي وحقيقته أعمق من ذلك بكثير. انه الالتقاء الإنساني بكامل مكوناته ليس فقط النفسية والبدنية ولكن الروحية أيضاً. ولكون الزواج فيه جانب روحي عميق دعونا هذا سراً.
والولد في ما نراقبه من الوجود ثمرة هذا الالتحام الحاصل بين الرضاء الإلهي والحب الزوجي، واكتمال هذا الحب بلقاء اثنين أي أن الولد، إذا ظهر، بعض من سر الزواج. إذ ذاك تتحول الثنائية إلى ثلاثية من حيث هي مشروع الاثنين المكمل ببركة الله.
هذه القراءة اللاهوتية للجنس تضرب الأحادية التي يبنى عليها الاستنساخ البشري إذا حصل، أو نحن سعينا إليه بالتجارب. الاستنساخ هو الثمرة التي حرم الله علينا أن نمسها لئلا نبطل عمل الخلق، إذ الخلق - مترجماً إنسانياً - هو الحب.
أجل الاستنساخ هو تعدٍ على الخلق لأنه تعدٍ على استمرار الخلق. أنا أحب هذه العبارة العامية التي تتحدث عن ولادة إنسان إذ تقول: "خلق في اليوم الفلاني أو السنة الفلانية". كنت أمج العبارة في صباي حتى أدركت أن الله يخلق في كل حين بمعنى انه يظهر خلقه في ولادة البنين والبنات في الجنس البشري. ويظهر الإنسان بالطريقة التي تكلم هو عليها في البدء وتبدو كل ولادة كأنها الخلق.
الكفر أو من الكفر التلاعب بالخلق. والإيمان أو بعض الإيمان أن نقبل الخلق. وسيئات التلاعب تنكشف عند النتائج. فإذا تبنينا الاستنساخ ونجح، يمكنك أن تتلاعب بلا نهاية، وليس ما يدلك على أن هذا الأسلوب لا ينتج إناثاً أكثر من الذكور، أو عكس ذلك بحيث يتعطل التوازن العددي القائم بينهما اليوم. نحن مناصفة الآن. ثم أنت في المجهول المطلق من حيث الحياة العقلية والنفسية في الكائن الجديد، أي قد تنتج مسوخ لا عد لها. ويأتيك الطفل على العتاقة التي عليها خلايا أمه، إذ هكذا نتجت الغنمة "دولي". الخطيئة الكبرى التلاعب بعد أن تحقق العزل بين العاطفة والجنس والإنجاب، وعلى الأقل ينفصل الجنس عن الإنجاب، فتمارس الجنس لنفسه والإنجاب يأتيك من مكان آخر هو الاستنساخ، أي تكون قد ضربت الانسجام القائم بين العاطفة والجسد والإيلاد. تكون قد فككت الكائن البشري السليم من أجل "كركبة" لا تعرف مداها ولا حظها في النجاح، وتبعدك عن المشروع الإنساني القديم الذي تعرف حسنه وتنميته الإنسان بكلية وجوده.
هذه هي الإبليسية عينها، إذ قالت الحية قديماً لحواء: "لن تموتا (كما حذركما الله) بل الله عالم انه يوم تأكلان منه (أي من الثمر) تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر". الخطيئة الكبرى أن تلغي الكلمة الإلهية العارفة بما ينفعك في وجودك، لتعتبر أن كلمة الحياة هي ما تقوله أنت في متاهات الاستقلال عن الله.






