مَنْ لا يعتمد، لمعرفة المسيح، إلا على ما تركه من ذكريات، أو
ما كان له من تأثير، في الماضي والحاضر، أو على ما في إنسانيته من جاذبية، فذلك لن
يحصد أكثر مما حصده معاصروه الذين رأوه وسمعوه، ولم يعرفوا مَنْ هو (يوحنا
المعمدان؟.. إيليا؟.. ارميا؟.. احد الأنبياء؟.. متى 14:16).
لا.. لا تكفي النظرة لبشرية الطبيعية "رأيتموني، يقول المسيح، ولا تؤمنون" (يوحنا 36:6)، كما ويقول لرسله: "إذا اضطهدوني، فسيضطهدونكم أيضاً، لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني، لو لم اعمل بينهم تلك الأعمال التي لم يعملها احد، لما كانت عليهم خطيئة، أما الآن فقد رأوا، وهم مع ذلك ابغضوني وابغضوا أبي أيضاً..." هكذا بلا سبب (يوحنا 20:14-25).
ما فتئ المسيح، طوال حياته التبشيرية، يعلن أن ما يطلبه، وما يعلق عليه ثمار عمله الخلاصي- أي القيامة معه والحياة فيه- هو ان نؤمن به وبما أوحى لنا عن سر الآب.
هناك، إذاً، ارتباط وثيق بين الإيمان والوحي الإلهي، إذ أراد الله بالوحي الإلهي أن يُظهر ويمنح ذاته، كما وأحكام مشيئته الأزلية المتعلقة بخلاص البشر، أي أن يُشركهم في الخيرات الإلهية التي تفوق تماماً نفاذ العقل البشري، هذا الكلام يُظهر بوضوح وحدة الوحي وغايته، فيُفهمنا ما هو الوحي وما هو الإيمان الذي يتقبل الوحي.
كان النبي أشعياء قد خاطب الله قائلاً: "ليتك تشق السموات وتنزل" (أشعياء 19:63)، فالوحي هو أن يشق الله السموات وينزل، هذا ما فعله بابنه الوحيد لما تجسد من مريم العذراء، فعاش حياة الناس في الناصرة، وتجوّل في قرى الجليل والسامرة واليهودية، ووزع التعالم السماوية، وأبرأ المرضى، وأقام الموتى، وغفر الخطايا.. وهذا ما فعله، بنوع خاص وممتاز، لما بذل ذاته عنا على الصليب، قبل الصليب، كان المسيح في نظر الناس "نبياً مقتدراً في الفعل والقول" (لوقا 19:24)، بالصليب "انشق" فيه الناسوت، كما انشق صدره بالحربة، وتجلى في اللاهوت، فعرفنا أن الله محبة مطلقة وغير مشروطة تذهب به إلى أقصى حدود التفاني والتضامن، وعرفنا أننا له أحباء وله شركاء في الحياة الإلهية.
ولكن أين لنا، نحن الخلائق المحدودة والخاطئة، أن نشارك الله في تلك الحياة الإلهية التي "تفوق قدرتنا كلياً" لأنها فائقة الطبيعة؟.. أين لنا ذلك إن لم نؤهَّل لتلك المشاركة ولم يُنهض من الداخل بكياننا الطبيعي إلى هذا المستوى الفائق الطبيعة؟.. هنا يأتي دور النعمة التي استحقها لنا الإنسان الإله يسوع المسيح، لما اتخذ طبيعتنا البشرية فرفعها في أقنومه إلى الوحدة الإلهية مزيلاً عائق الحصر والتقييد، ولما قدّم ذاته ذبيحة فداء مقدسة على الصليب مزيلاً بدمه عائق الخطيئة.
ولكن، ما الذي يؤكد لنا أن ما أوحى به المسيح لم يُشوَّه ولم يُحرَّف، طالما انه لم يكتب شيئاً؟..وهل كان من الضروري أن يكتب بالمداد حرفاً واحداً طالما انه "كتب" الوحي كله بدمه على الصليب؟.. على كل حال، إن كان الوحي الكلامي قد حصل فإن الله الذي يخاطب الجنس البشري بأجمعه، عليه أن يعمل على "أن يبقى هذا الوحي كاملاً وسليماً، وان يُنقل هكذا إلى جميع الأجيال" (ول، 7). وفي الواقع هذا الوحي الإلهي قد حصل، طالما انه مستحيل أن يكون المسيح، وما أوحى به عن الإله الثالوث وتدبيره الخلاصي، اختراعاً بشرياً، فالوحي أمر حاصل والمسيح قد عمل على أن يبقى "كلاماً وسليماً"، دون تشويه ولا تحريف، لما أسس الكنيسة على "صخرة" الإيمان، إيمان بطرس والرسل وخلفائهم: "أنت صخر، وعلى هذا الصخر ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم.. وهاأنذا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر.. فمَنْ سمع منكم سمع مني" (متى 16:16، 19:28-20، لوقا 16:10).




