لكي نختبر
الموت ونحن على قيد الحياة، يجب علينا أن نتخلى عن أي حكم عقلي سابق، أو
بالأحرى عن أي عائق يحول دون اختبار هذه اللحظة بشكل مباشر، لقد طبعنا
الماضي بطابعه الخاص، بالعادات والتقاليد ومختلف أنماط العيش، نحن أفراح،
قلق، غيرة، متعة.. كل واحد منا هو هذه الأحاسيس مجتمعة، كل واحد منا ليس
سوى عملية استمرار.. ويبقى متعلقاً بآرائه وقناعاته، وأساليب تفكيره، ويعيش
عمره خائفاً من أن يفقد أي جزء من الأشياء التي تعلم التعلق بها وينسى،
ربما طيلة حياته، أن ما تعلق به ليس سوى العدم والفراغ، نحاول أن نطابق
ذواتنا مع أسرنا وعملنا ومُثُلِنا، ولكن هل نجد على وجه الأرض إنساناً
استطاع أن يضع حداً لجميع هذه التلهيات؟.. 
أن نسير بمحاذاة تاريخ الفكر وعملياته المعقدة يعني أن نوقف الزمن، إن الشعور بالاستمرارية عملية عقلية كم وكم ولد فينا هذا العقل الذي يقود ذاته ويقودنا، خيالات وظنوناً وخداع، لا تمت جميعها إلى الواقع بصلة، ولكننا نكتشف أن المرور بهذا النفق يبقى ضرورة حتمية لبلوغ النضج.
لم نفهم يوماً ماذا يعني أننا نعيش..فكيف يمكننا أن نعرف ماذا يعني "أن نموت؟؟.."
يمكن أن تكون الحياة والموت شيئاً واحداً، وأن نكون قد توصلنا إلى التفريق بينهما، فهذه ذروة المعاناة، لقد فصلنا الموت عن الحياة واعتبرناها حادثاً يحصل في مرحلة متقدمة من مراحل الحياة أو في نهايتها، غير أن الموت حاضر أبداً، وبما أننا نخاف من هذا المجهول أطلقنا عليه اسم "الموت"، وفصلناه عن الحياة، وجعلناهما يسيران الواحد عكس اتجاه الآخر، وبهذا خدعنا أنفسنا.
إن بشرية سجنت ذاتها في وهم عملية معقدة وغير واقعية لن تتمكن البتة من فهم الحرية، ومع ذلك لا يزال قليلون يرغبون بالتحرر.
لندع إذاً بحر الحياة والموت ينفذ فينا وعلينا نواميسه الحقيقية، لقد تمتعنا بـ"الأنا" إلى حد ما، وتألمنا واستمرينا وبالتالي نستطيع الاستمرار.
لا وجود ل"الأنا" لولا الملكية الخاصة، ولولا الاسم والأسرة، ولولا النجاحات والفشل، وبجميع هذه طالما تشبثنا حتى الجنون والعبث والمؤلم أننا لم نرغب يوماً مجرد فكرة التخلي عن كل هذا حتى بعد الموت، وفي نهاية المطاف تبقى الحياة مجموعة معقدة من الماثلات والتطابقات التي تجعل أحدنا يكون ما هو عليه، قبلنا به أو لم نقبل بملائحه ومساوئه، وهذا ما يجعلنا ساعة الفراق ندين أنفسنا على أحكامنا السابقة فيغلب فينا الحزن على الفرح.
إن ما نعرفه أحدنا عن الآخر يبقى أصغر بملايين المرات مما نجهله، وما نعرفه محزن ومحدود وذلك لأنه مفعم بالبشريات المجنونة والعبثية ويبقى ما لا يعرفه أحدنا عن الآخر يماً هائلاً نجهل الإبحار فيه، وتبقى الحقيقة أغرب من أن نعرف قراءتها.
دعونا نترك الأمور تسير في مسارها الصحيح، مهما تبعنا الحقيقة ستهرب منا ولن نستطيع البتة القبض عليها بأيدينا، وبالطبع سجنها في فكرنا.
في مواجهة الموت سنسير بمفردنا، إنها مسيرة نحو كمال المعرفة، إنها اختبار ليس أروع، وإلا لما تنازل الرب وذاق الموت ليغسل فكر البشرية عن عبثية التفكير الغبي.
درب الموت درب التنقية من كل ما عشناه حقاً أو عبثاً، واقعياً أو خيالياً، ببساطة أو بتعقيد... إنه الطريق الأكيد للوصول نحو اليقين، ولولا الموت تبقى البشرية أسيرة عبوديتها العبثية إلى ما لا نهاية، فهو الخطوة الأولى في مسيرة تنقية الفكر نحو حرية أبناء الله.






