لماذا أرسل الآب إلينا ابنه الوحيد؟...
ولماذا رضيَ الابن أن يأتي في جسد بشري؟...
من لنا خيرٌ منه هو للإجابة على السؤال؟...
ما قد قاله لنا، كما وأعماله كإله وإنسان، يُختصَر بما يلي:
أتى لمجد أبيه، فكان تمجيده ذبيحة حب وخلاص وفداء على الصليب؟
نقرأ في رسالة بولس إلى العبرانيين: "لا يستطيع دم الثيران والتيوس أن يزيل الخطايا"، لذلك قال المسيح عند دخوله العالم: "لم تشأ ذبيحة ولا قرباناً، ولكنك أعددتَ لي جسداً، لم تقبل المحرقات ولا الذبائح كفّارة للخطايا، فقلتُ حينئذ هاأنذا آت، اللهم، لأعمل مشيئتك" (عبرانيين 4:10-7).
في الحال، وفي يوم البشارة بالذات، يوم الحبل البتولي به في أحشاء مريم العذراء، سُميَّ "يسوع"، ومعنى الاسم "الله يخلص" (لوقا 31:1 و 21:2)، ثم فسّر الملاك الأمر ليوسف قائلاً: "لا تخف أن تأتي بامرأتك مريم إلى بيتك، لأن الذي حُبلت فيه هو من الروح القدس، وستلد ابناً تسميه يسوع، لأنه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم" (متى 20:1-21).
"هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم"، كلام قد يثير التهكم، في عام "متمدن" ينظر إلى النتائج المنظورة أكثر منه إلى الحياة الداخلية.. ينبغي التنبه، اتقاءً للوقوع في هذا الشَرَك المعثر، لذا علينا أن نتوقف عند ما هو المسيح في ذاته الداخلية، في فعله الفدائي، أكثر منا عند نتائج الفداء الآتية فينا، هذه النتائج على كل حال ليست إلا اشتراكنا في حياة الإنسان الإله الداخلية، على الرغم من الخطيئة التي لا تزال تمتحننا.
طبيعتنا، حقاً، لا تزال إياها، بما لها من فطرة ومواهب وحدود وكلوم، لكن هناك بفضل المسيح المشع في القلوب، إنسان جدير "يسير إلى المعرفة الحقيقية، وهو يتجدد على صورة خالقه" (كولوسي 10:3)، "يسير إلى... وهو يتجدد"، لقد أطلق المسيح المسيرة والتجدد، فالمهم أن يظل السير مستمراً، والتجدد متواصلاً حتى النهاية... وعلى الرغم من العقبات.
ما كان فعل الفداء الذي أقدم عليه المسيح؟..
إن الفعل الذي توّج به حياته، الفعل الذي جنّد له جميع طاقاته البشرية من جسم وعقل وإرادة، إنه تقدمة حياته البشرية قرباناً، من موته على الصليب... كان المسيح يسمي أوان تلك الأضحية "ساعته"، الساعة التي من أجلها قد أتى: "لقد اقتربت الساعة التي فيها يُسلّم ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين" (متى 45:26)،
"ابتعد قليلاً ووقع
على الأرض يصلي لتبتعد عنه الساعة، إن أمكن" (مرقص
35:14)،
"ما لي ولكِ يا
امرأة؟.. لم تأتِ ساعتي بعد" (يوحنا 4:2)،
"أرادوا أن يمسكوه،
ولكن م يبسط إليه أحد أبداً، لأن ساعته لم تكن قد أتت"
(يوحنا 30:7)،
"يا أبتِ، قد أتت
الساعة... يا أبتِ نجني من تلك الساعة، ولكن، لم آتي إلا لتلك
الساعة" (يوحنا 1:17 و 27:12).
تقدمة ذاته ضحية على الصليب هي الفعل الذي به ابن الله المتأنس أظهر للعالم محبته لأبيه: "أنا ذاهب – إلى الموت – لأن سيد هذا العالم – الشيطان – آتٍ، وما ذلك إلا ليعرف العالم أني أحب الآب، وأني أعمل كما أوصاني الآب" (يوحنا 28:14 و 30-31)... كما وأظهر معاً محبة الآب للعالم لما أرسل إليه ابنه مخلصاً "كما رفع موسى الحية في البرية، كذلك يجب أن يرفع ابن الإنسان – أن يُصلب – لتكون الحياة الأبدية لكل مَنْ يؤمن به، فغن الله قد أحب العالم حتى أرسل ابنه الوحيد ليخلص به العالم لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (14:3-16).
"يجب أن يُرفع ابن الإنسان"، "كان ينبغي أن يعاني تلك الآلام، فيدخل في مجده" (لوقا 26:24)... هذه هي الحقيقة الرئيسية في المسيحية: يسوع المسيح هو المصلوب حباً بابيه، وحباً بنا!.. يقول الرسول بولس: "إننا ننادي بمسيح مصلوب، عثرة لليهود، وحماقة للوثنيين.. وإني لم أشأ أن أعرف شيئاً، وأنا بينكم، غير يسوع المسيح، بل يسوع المسيح المصلوب" (1كورنثوس 23:1 و 2:2). هذا ما ينبغي لنا أن لا ننساه أبداً، لا في هذا الدهر ولا في الدهر الآتي، ما دام المسيح القائم من بين الأموات، وكما جاء في الأناجيل وفي سفر الرؤيا، يحتفظ إلى الأبد بآثار الجروح في جنبه وأطرافه، اغن، إلى الأبد، "الحمل القائم وكأنه ذبيح" (يوحنا 27:20، رؤيا 12:6)، انه الحمل، انه الذبيح، انه المصلوب.
وها قد بلغنا إلى قلب حقيقة المسيح، إلى عروة الحياة المسيحية، إلى الجواب الصحيح والنيّر على السؤال المزدوج:
المسيح مَنْ هو؟.. ولماذا المسيح؟..
يسوع المسيح هو الابن الأزلي المتجسد الذي رضي أن يُصلب حباً بأبيه وبالبشر، فكان بطاعته حتى الموت صلباً، وكنا معه للآب مجداً فائقاً، وكان الخلاص.. هذا هو المسيح، وهذه هي رسالته كما حدثنا عنها في مثل الكرامين القتلة (مرقص 1:12-12)، حيث يكشف لأعدائه عشية موته وبتلميح واضح، معنى الحدث المزمع أن يتم، فقال: كان لأحدهم (الله) كرم ممتاز (الشعب اليهودي)، فقد أحاطه بعناية فائقة، فسيجه وحفر فيه معصرة وبنى برجاً وسلمه إلى الكرامين وسافر، وكان ينتظر موسم قطاف رائع (التجاوب مع محبته)، فأرسل عبيده (الأنبياء) ليتسلموا نصيبه من ثمر الكرم، فكان الكرامون (المسؤولون) يوسعونهم ضرباً، أو يشجون رؤوسهم ويهينونهم، أو يقتلونهم، الواحد تلو الآخر، فبقي عند صاحب الكرم (الله) واحد وهو ابنه الوحيد، فأرسله إليهم آخر الأمر وقال: "سيهابون ابني"، فكأننا بالله وهو مرسل وحيده يجازف بكل ما له.
هذا الابن الوحيد، هو أيضاً امسكوه وقتلوه وألقوه خارج الكرم، هل يكون الله قد خسر مرة أخرى؟.. نعم.. ولكن في الظاهر فقط، ذلك أن المسيح ابن الله الوحيد، لما قدّم ذاته للموت طوعاً لأنه قال: "ما من احد ينتزع نفسي مني، ولكني ابذلها برضاي" (يوحنا 18:10)، ولما "مات عن حب وبذل نفسه عن الخراف" (يوحنا 13:15 و 15:10) فهو كما يقول احدهم سوف "يجعل من أعدائه أصدقاء له، ومن أصدقائه أبناء أبيه، وسيتيح للآب أن يتنعم أخيراً بجني كرمه، أي تلك النكهة الفريدة لحياة إنسان قد بذل نفسه كلياً لمحبة الآب وأبنائه.. وان الآب لما التقط دماءه تذوق معاً الحب الآتي إليه من ابنه الأزلي، وهذا التعبير الجديد والفريد لحب الابن نفسه، منطلقاً من قلب يخفق في صدر إنسان".
قدم المسيح حياته تقدمة ذبائحية، ذات وجهين: تقدمة ذاته للموت، فيقضي على نمط الحياة التي عاشها منذ بيت لحم حتى الجلجلة، والتي لن يعود إليها، وتقدمة ذاته للحياة فيُدخل إنسانيته – ومعها جميع البشر- في الاشتراك في المجد الإلهي، والذي هو نمط حياة جديد كلياً وابدي، هذا هو سر الموت والحياة، سر حبة الحنطة...
ليتنا ندرك هذا السر لنعيشه ساعة موتنا.. يُقال إن مَنْ يموت يموت وحده، إن كان هذا القول صحيحاً، فإن في الأمر ما يُرعب.. إن كانت العزلة أوحش ما في الحياة، فما أدرانا ما تكون العزلة في الممات؟.. ولكن لا.. المسيح وحده "مات وحده" فارتعب حقاً حتى الاختناق: "إلهي.. لماذا تركتني؟.."، لكنه استحق لنا بذلك أن لا نموت وحدنا بل معه، لقد اخذ عليه الواقع الإنساني بأكمله، لكي يفتديه: "أخذ خطايانا، فخلصنا من وطأة الخطيئة، وأخذ موتنا فخلصنا من وطأة الموت" (رومية 2:8)، فمنذ المسيح "نحمل في الجسد موت يسوع" (2كورنثوس 10:4)، وبالموت "نصير على صورته" (فيليبي 10:3)، لا بل موتنا هو موته، لأننا "قد دفنا معه بالمعمودية" (رومية 4:6)، فعند ساعة الموت يكون المسيح معنا ليشجعنا قائلاً: "لا تضطرب قلوبكم.. بل آمنوا بي كما تؤمنون بالآب، إني أعددت لكم مقاماً في بيت أبي، وها أنا آتٍ لآخذكم اليَّ، فكونوا انتم أيضاً حيث أنا" (يوحنا 1:14-3، بتصرف)، ليتنا نتذكر ذلك، ساعة موتنا.. كل خائف يحتمي، الموت مخيف، حمايتي، ساعة موتي، هي يسوع الآتي ليأخذني إليه.
وأما المناسبة التي عبّر فيها المسيح عن وحدة عمله الفدائي فكانت عشية موته، في العشاء الأخير حيث رسم الذبيحة الافخاريستية والكهنوت المسيحي،ليقدم لنا شراباً دمه المهراق لمغفرة الخطايا، وعربوناً للعهد الجديد الأبدي، ولذا فإننا خصوصاً بتناول القربان نستطيع الدخول في سر المسيح المائت والممجد، المرفوع على الصليب والمرفوع إلى المجد: "كان ينبغي للمسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده" (لوقا 26:24 و 53:36)، ألا فلنتأمل في أسبوع الآلام، بآلام المسيح وموته، فنفهم ما كان عذابه، وما كان معنى هذا العذاب وقيمته.






