أيتها الأرثوذكسية..تعصفُ بكِ أهوجُ العواصف..وتحاربكِ اشرسُ القوات المظلمة لاقتلاعكِ من العالم..وانتزاعكِ من قلوب الناس..ارادوكِ أملاً مفقوداً..ومتحفاً مهجوراً..وماضياً مأساوياً..وتاريخاً منسياً..لكن الله القدير الكلي الحكمة يسيطر على هذه الفوضى ويحميكِ منها وردة مفتحة تفوح بعطرها ارجاء المسكونة..ويحافظ عليكِ في قلوب البسطاء..وها انتِ كما أنتِ حيَّة قوية تغذين الاجيال وتفلحين كل بقعة جرداء..وتزرعين الأمل في نفوس الضعفاء..وتباركين الحاقدين والأعداء..وتوزعين قوة وحياة ونوراً..وتفتحين للناس ابواب الابدية..قوية عتيدة ايتها الارثوذكسية  
الصفحة الرئيسية > مقالات > دينية وقصصية
  الإيمان المعاش ومعرفة المسيح..                                                                الأب جميل نعمة الله السقلاوي اللعازري

الإيمان هو تقبل للوحي الإلهي، إذاً، هو يتمرس وينمو بالتأمل المنشرح في هذا الوحي، في هذا الإله الحق والحي، فإن الإيمان اللاهوتي والتأمل أمران مرتبطان جوهرياً، أما غذاء هذا التأمل فهو كلام الله المدوَّن في الكتب المقدسة، والمنقول إلينا بالتقليد الرسولي، كما هو "كلمة" الله الأزلي، يسوع المسيح، الذي أتى إلينا في طبيعة بشرية حتى إذا رأيناه نرى فيه "الآب" (يوحنا 45:12 و9:14)، وعليه فنحن نكتسب معرفة المسيح بقدر ما نطلع على "ما جاء في الكتب"، فإنها "تشهد له" (يوحنا 39:5 وأعمال الرسل 43:10)، "وتتحدث عنه" (لوقا 27:24)، كما ونكتسب هذه المعرفة بقدر اطلاعنا على تعاليم الكنيسة، وتقبلنا للأسرار المقدسة لاسيما الافخاريستيا، وتأملنا في حياة العذراء مريم أم يسوع، وفي حياة القديسين أصفيائه، فإنهم قد عاشوا منه، ويعيشون الآن في المجد الأبدي حيث يفعلون فينا.

ينبغي لهذه التغذية الإيمانية أن تبدأ بالاشتراك في الطقوس الدينية، حيث نلتقي مباشرة بالمسيح الذي لا يفتأ من خلالها أن يعلّم كنيسته، ويصلي معها، ويقدّم ذاته معها في الذبيحة المقدسة، ليقدسها ويُدخلها معه إلى مجد الآب... ثم بالأعمال الفردية، لاسيما زيارة القربان فندرك في ضوء مناجاته الباطنية كم صورته مطبوعة فينا.

ينبغي لهذه التمارين التأملية أن تستند إلى معرفة دقيقة للعقيدة، في ما يتعلق بالثالوث الأقدس، والتجسد والفداء، والخلاص، إضافة إلى معرفة الكتب المقدسة وكتب القديسين، أولئك الذين توغلوا في ألفة المسيح... ذلك دون أي رغبة في البحث الدنيوي أو الفضول الطبيعي، فنحن، في هذا المجال إزاء أمور تفوق كلياً إدراك العقل، نحن إزاء وحي إلهي، بالمعنى الحصري للكلمة وبالمعنى الواسع لها، ولذا فإن مَنْ يطلب معرفة الآب بتواضع كلي وإجلال لسره، هو وحده يحظى بأن يكشف له الابن عن الآب، فيما يكشف له عن ذاته ويمنح الروح القدس: "أحمدك يا أبتِ، رب السماوات والأرض، على انك أخفيت ذلك عن الحكماء والفقهاء، وكشفته للصغار.. لقد سلمني أبي كل شيء، فما من احد يعرف الابن إلا الآب، ولا احد يعرف الآب إلا الابن ومَنْ شاء الابن أن يكشف له" (متى 25:11-27)، ويقول بولس الرسول: "لا يستطيع احد أن يقول: "يسوع إلا بإلهام من الروح القدس" (1كورنثوس 3:12).

لهذا السبب ينبغي لمَنْ أراد أن يفهم الوحي الإلهي أن يدخل في الصلاة، فيقول مع صاحب المزامير: "أرنا يا رب رحمتك، وهب لنا خلاصك" (مزمور 8:85)، والصلاة هي حوار ودود مع الله، وإلا لما أجدت نفعاً لمعرفة المسيح، ولا لنقل معرفته إلى الغير في أعمال التعليم والرسالة، "الصلاة أنشودة يترنم بها القلب في ساعة وجده.. الصلاة أنشودة القلب لا تمتمة الشفاه، هي جنون الفكر لا ترتيبات العقل" (يوسف السقلاوي).

هذا، وينبغي للصلاة أن ترافقها ممارسة الفضائل، لاسيما الإنجيلية منها كالتواضع، والفقر، والوداعة، والمحبة الرحوم، وهكذا يكون لنا بالمسيح معرفة اختبارية تخولنا أن نقول مع القديس بولس: "أنا أحيا، لست أنا بل هو، المسيح، يحيا فيَّ" (غلاطية 20:2).

ولما كان أن المسيح الذي به أؤمن هو المسيح الملتزم فداء البشر، أصبح عليَّ أنا المؤمن به- وكل إيمان هو التزام- أن ألتزم، به ومعه، الفداء نفسه على جميع الأصعدة الروحية والأدبية والاجتماعية، حتى والوطنية. كفانا اعتراض مَنْ يقولون إنه لا يحق للكنيسة أن تتعاطى السياسة..  فإذا كان الدفاع عن حقوق الإنسان اسمه سياسة، فإن الكنيسة إذاً تتعاطى السياسة"، واني اعلق وأقول: "لماذا إيماني بالمسيح، ولماذا إيماني برسالته، إذا لم أكن مندفعاً مثله للدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته؟..".

يوم الشعانين هو أروع مظاهرة عرفها التاريخ، جموع تحتشد، أردية تُبسط، أغصان تُفرش، أصوات تصرخ: "مبارك الآتي باسم الرب، اوشعنا في الأعالي"، قال له الفريسيون: "أسكتهم" فقال يسوع لهم: "إذا أسكتهم، فإن الحجارة ستصرخ"، نعم.. لم يستطع القمع أن يُسكت صوت الحق والحرية والكرامة..

حقوق الإنسان هي شجرة لوز، بقدر ما برد الشتاء تقسى عليها قبل ما يظهر الربيع فإنها ترجع وتزهّر، والمسيح..هو للإنسان أحلى ربيع.

 

 

                                       

الصفحة الرئيسية  |  الكنيسة  |  آبائيات  |  دينيات  |  مقالات  |  نشاطات  |  معلومات  |  أماكن مقدسة  |  خريطة الموقع  |  أتصل بنا
© 2006-2009 الأب الكسندروس اسد. جميع الحقوق محفوظة - تصميم وتطوير اسد للتصميم