ما
لنا ولكَ يا يسوع الناصري؟..
هذا سؤال رجل مجنون، ولكنه ليس بسؤال جنوني لأنه هو السؤال الرئيسي لهذه الإنسانية المعاصرة المعذبة الفاسدة!..
أنستطيع إذاً الاستغناء عن يسوع؟.. أم الاستفادة منه؟...
أسلافنا لم يستطيعوا الاستغناء عنه في مسيحيتهم، لأنهم كانوا يرفعون قلوبهم ونفوسهم إليه كلما داهمتهم المصائب وحلت بهم النكبات، بل وفي أفراحهم ومسراتهم أيضاً، أما في هذا العصر المجنون بكل ما فيه من رفاهية ومآس وويلات غير محدودة، لم نهتم فيه بيسوع الناصري الغريب عن مدنيتنا الحاضرة، ولماذا نهتم به طالما نعتبره شيء من الماضي ونصرّ بأنه لا صلة له بنا لا من قريب أو بعيد من جراء أنانيتنا وغرورنا وفسادنا!...
فهل نفتقر ونحتاج إليه بشيء نحن الذين نعيش في عالم يختلف عن عالمه؟...
حقاً إنه لم يسبق عصر من العصور السالفة كان الناس أحوج ما فيه إلى يسوع أكثر من هذا العصر الفاسدة في كل شيء، فإذا ما وجده أسلافنا ضرورياً لحياتهم تلك، فنحن اليوم اشد احتياجاً إليه في حياتنا هذه، وأكثر ضرورة لعصرنا وأوقاتنا العصيبة التي نمر بها كل لحظة وكل دقيقة.
إذاً..لماذا نفتقر إلى يسوع الآن؟...
إننا نحتاج إليه ليعطينا هدوءً في حياتنا:
فالعالم الصاخب الذي نعيشه اليوم يدفعنا بسرعة فائقة إلى الهاوية المجهولة القرار، كأننا عالقون في دوامة مائية لا قرار لها لا نستطيع الإفلات منها، فهناك أعمال عظيمة تنتظرنا لإنجازها ولا نفلح، وكتباً مرشدةً لنا إلى الطريق الصحيح في حياتنا ولا نملك الوقت الكافي لقراءتها والاستفادة منها، ومشاريع كثيرة نود القيام بها لخيرنا ولا نتمكن،الخ...هذه كلها مستوجبة علينا وعلى حياتنا الآلية المندفعة في حركة متشابهة إلى اللانهاية.
إننا نريد أن نصبح أحراراً بها، ولكننا في الحقيقة نحن عبيداً لها، وللوقت، وللازدحام، وللضغط الدائم علينا من جهة أمور عديدة، إننا لا نستطيع تغيير العالم الذي نعيش فيه، ومن العبث أن نعتقد أننا سنتمكن يوماً ما من تخفيف سرعة دورانه ونحن ما نزال على هذه الحال والوضعية.
غير أن هنالك جواباً وحيداً وهو أننا ونحن سائرون في إعصار هذا الزمن المندفع بفوضويته، نستطيع أن نجد سلاماً واطمئناناً وهدوءً إذا تجردنا من الضغط الأرضي الذي نعيشه والذي يصيّرنا عبيداً لنفوسنا الضعيفة وأهوائنا الكثيرة، وننعتق من الضوضاء التي تحيط بنا، ونتصل مباشرة بالقوة الروحية السماوية التي وحدها القادرة أن تحررنا منه والمتمثلة بالرب يسوع وحده.
هنا يدخل الرب يسوع إلى حياتنا ليخلصنا من حيرتنا ومن الضغوط الأرضية التي فيها، لأن فيه وحده سلامنا الروحي، ان بضع دقائق نصرفها في اليوم نخوض معه بين سطور إنجيله المقدس لكافية أن تجلب لنا الهدوء والراحة والطمأنينة والسعادة، وتعطينا القوة والنشاط في حياتنا الضعيفة، وتنعش فينا الروح المضطربة، وتسكّن عواصف شهواتنا الهوجائية الشيطانية.
إن الهدوء الناجم عن الشعور بحضوره، والقوة الحاصلة من الاتصال به، هما الجوابان الوحيدان لنا لنتخلص من متاعب الحياة هذه وأثقالها، وها هو ينطق من فمه المقدس بكل تواضع ويدعونا إليه دون كلل أو ملل ويقول لنا:
" تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم " (متى28:11)
إننا نحتاج إلى يسوع ليقودنا إلى غايات نبيلة:
لأن كلمة هذا العصر هي " القوة، والقوة فقط "، وقد شعرنا بها أكثر من أي عصر مضى، إننا نعيش في عالم تسوده شريعة الغاب، ذو قوة مخربة هدامة، وليس من مثيل له في تاريخ البشرية السالفة، إننا نقف حياله حيارى ومكتوفي الأيدي وحيال ما اكتشفه عالم اليوم وما استنبطه من اختراعات عديدة مذهلة، ولكن هل يا تُرى قد أحسنا التصرف بكل ذلك؟..وهل استطاع هذا العالم أن يدخل السلام والطمأنينة والمحبة إلى نفوس البشر رغم ما قدمه لهم من وسائل الرفاهية والراحة؟..
هل استطعنا أن نسخّر القوى الطبيعية لخيرنا، أم لتخريب العالم ودماره والسير به إلى الهاوية؟...
في الحقيقة نحن نملك قوة عظيمة وهائلة، ولكن أكثرها لا تستخدم لخير والمنفعة الإنسانية العامة التي ترزح تحت وطأة الرعب المخيف، فنحن نملك القوة الذرية بكل خواصها، ولكننا فتقر كثيراً إلى القوة الأدبية لمراقبتها وتحويلها إلى أهداف نبيلة نافعة ومفيدة لخير العالم اجمع.
هناك أصوات عديدة ترتفع اليوم من أعلى المنابر تصدح بأعلى صوتها لتنبه العالم بأسره بأنه إذا ما أردنا البقاء والحياة فعلينا أن نعود إلى الله الخالق ونتمسك به، علينا أن نعود إلى نواميسه الروحية لكي نملك زمام أمورنا فهي الأصل في كل شيء، وتكون لنا السعادة الروحية الكاملة في جميع مرافق الحياة.
نعم.. إن هذه الحاجة الماسة هي فوق ما عرفه أي عصر من العصور أو جيل من الأجيال، فمع كل قوة جديدة علينا أن نكتشف ونجد قوة أدبية نستخدمها معها لتحكمها وتوجهها، وهذه القوة لا نجدها إلا في تعاليمنا الدينية السمحاء النابعة من تعاليم معلمنا الأعظم الرب يسوع،
" الذي به كل شيء كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان " (يوحنا2:1)
فله وحده الكلمة الأخيرة والفاصلة في أوقات عسرنا ويسرنا، وضيقنا وفرحنا، وضعفنا وقوتنا، فهل نحتاج إليه مع كل هذا؟.. وكيف نستطيع أن نراه ما لم نكتشفه مجدداً ونتبعه في طريق البر والقداسة، والخدمة الإنسانية الشريفة جمعاء وهو الذي قال لنا:
" لأنكم بدوني لا تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً " (يوحنا 5:15)
إننا نحتاج إلى يسوع ليترجم لنا الحياة ويفسر لنا معانيها السامية:
فإذا كان هناك ثمة زمن أصبحت فيه الحياة عبارة عن لغز، وأصبح البشر في حيرة وارتباك مما يخبأه لهم الغد فهو هذا الزمن..
هناك نقد لاذع للحياة بأنها جوفاء خالية من المعنى، والناس لا يعرفون طريق الهدى ولا كيفية الوصول الى السلام والمحبة والى شاطئ الأمان، لأنهم قد ابتعدوا جداً عن الرب يسوع ولم يعد يعرفوه، وأكثر ما تتعرض له هذه الفوضى المخربة فهي " الشبيبة الناشئة ".
لقد مضى زمن كانت فيه الشبيبة الناشئة تشعر بأن لله قصداً إلهياًً سامياً في حياة كل منا، وكانوا يؤمنون بالتعاليم الملقاة على عليهم، ويتأكدون بأن لكل حياة فرد مهما تدنت مقصداً إلهياً، وكان المهم عندهم أن يكتشفوه وينجزوه بفرح وسعادة وبهجة، فيساعدون الله على إتمام مقاصده في مخلوقاته، أما اليوم فلا وجود لهذه المفهومية عندهم، فيخوضون متخبطين في خضم هذه الحياة الفاسدة دون إيمان بأن للحياة مقصداً إلهياً سامياً لبعدهم الشاسع عن الله، فيصبحون ضحية الخطيئة، وفريسة بين مخالب الشيطان الذي يسوقهم في طريق مظلم موحش مخيف، ويجعل من حياتهم مجرد طريق قاحلة لا هدف لهم، يبحثون عن الراحة والطمأنينة ولا يجدونها وتصبح سراباً واهناً في صحراء نفوسهم الضالة، فيؤدي بهم إلى الضياع الكلي في عالم الفساد والرذيلة ينشدون شاطئ الأمان فلا يجدوه.
وبهذه الحالة من الاندفاع الفوضوي في الحياة، يجب أن نسير نحو الله الذي به نحيا، ونتحرك، ونوجد، ونعمل للحياة الأبدية الخالدة، ونحصل على الحياة المملوءة بالغنى الروحي والجمال الإلهي، فلا بد لنا إذاً من طلبها بالشركة الدائمة مع الرب يسوع والعيش معه، وعلينا أيضاً أن نكتشف مركزنا ومكاننا الشخصي بين أعضاء كنيسته بكل ما فيه من معنىً وغنىً روحي لأننا جزء منها، وأن ننظر إلى حياتنا كأمانة من الخالق، وكفرصة للعمل معه لبناء عالم أجمل وأفضل تسوده المحبة والوئام، ونعيشه بأمان وسلام.
وعليه، فعلينا أن نقوي ثقتنا بالرب يسوع، وان نجعل إرادتنا وفق أمره الإلهي، لأننا لا نستطيع أبداً أن نسير في خضم هذه الحياة ونحن مستقلين عنه، لأننا لا محالة نحن هالكون من دون يمينه المرشدة والقادرة والمدبرة لكل شيء وقد قال لنا في إنجيله الشريف المقدس:
" لأنكم بدوني لا تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً " (يوحنا 5:15)
إننا نحتاج إلى يسوع ليغسلنا من خطايانا:
لأننا مغرورون بكفاية ذواتنا، فلا نستطيع أن أي شيء بدونه، ونظن بأننا نستطيع أن نعمل كل شيء، لثقتنا العمياء بأنفسنا الضعيفة التي نملكها بالطبيعة، نعم...نحن نستطيع أن نبني القصور الفخمة، والمدن الكبيرة، ونخترع ما يذهل البشرية، ونصبح أسياداً ملوكاً وسلاطين، ولكننا أخفقنا في عمل شيء واحد وهو أن نضع ثقتنا بالله الخالق وليس بأنفسنا الضعيفة الهشة، فوقعنا بذلك في مخالب الغرور الفارغ وبالخطيئة المميتة، وفي الحالة هذه نحن غير قادرين أن نكون أبناءً لله الأزلي ولابنه الحبيب يسوع المسيح رغم كل ما قدمناه للبشرية من وسائل راحة وجمال، فلا فرق إن كنا من الناجحين أو الفاشلين في الحياة ما دمنا بعيدين عن يسوع وعن حياته فينا.
وعندما نكتشف ذلك، نأتي بجميع خطايانا وبدموع غزيرة من الندامة إلى مصدر الرحمة والغفران، عالمين بأننا خطأة ومخلصون بنعمة يسوع، وبالتقرب والتبرر منه، لأن تبررنا بالمسيح هو أساس جميع أفراحنا وسرورنا، وليس لأحد آخر غيره يستطيع أن يقول لنا:
" مغفورة لك خطاياك، أو اذهب بسلام ولا تعود تخطيء "
فهل حقاً نحن نحتاج إلى يسوع في كل هذا؟..
لا شك أننا في حاجة وحاجة ماسة جداً إليه، كي لا نتشرد كالابن الضال في تيه أنانيتنا واتجاهنا البشري الضعيف المعكوس، لأن للحياة قيم إلهية أزلية مقدسة، وسر سلامنا منحصراً في مصالحتنا مع الله وبمغفرة خطايانا، فلا بد لنا إذاً من الرجوع إليه وطلب رحمته فنحصل على النعمة الإلهية والبركة السماوية بقلوب تائبة صاغرة إليه، ونعرف حقيقة أنفسنا أننا أبناءٌ مبررون للآب السماوي.
إننا نحتاج إلى يسوع لنتخذه نموذجاً وهدفاً لإنسانيتنا:
لأن في يسوع المسيح فقط سلامنا، ذاك الذي صار إنساناً مثلنا وفدانا بسفك دمه المقدس الطاهر على الصليب، فهو لم ينحصر في نوع من أنواع الثقافة، ولا في نظام من أنظمة العصر، ولا مختصاً بقارة معينة وشعب خاص، بل كان لكل الجنس البشري عامة، ولكل زمان ومكان، فهو يتكلم بلغة كل قلب على وجه الأرض، وهو جواب لكل مطلب بشري إنساني مهما كان، وفيه وحده تتحقق وحدة الكنيسة الجامعة، الوحدة التي تسعى إليها جميع الأمم المسيحية بكل ما عندها من حكمة وذوق وعاطفة ومحبة.
عند يسوع فقط الجواب الشافي وحد الفصل، لأن لا فلسفة دينية، ولا مؤسسة سياسية، ولا منظمة عالمية تستطيع أن تضمن سلاماً دائماً ما لم يكن فيه يسوع نقطة الارتكاز والمحور، وما لم تصبح شريعته الإلهية المقدسة نافذة فعالة في عالم صاخب فاسد سادت فيه شريعة الغاب الشريرة التي طالما ساقتنا إلى مآسي وويلات لا نهاية لها، في حروب لا جدوى منها إلا الدمار والخراب والفساد والسيادة البشرية المؤدية إلى العبودية.
فجدير بنا أن نكتشف يسوع بسرعة قصوى قبل فوات الأوان، وان نجعله محور حياتنا ومركزها، لأن يسوع هو حاجتنا الماسة لعصرنا الحاضر البائس، وما ادعاؤنا بأننا نتمكن من العيش بدونه إلا وهمٌ واهنٌ فارغ، وطمس للحقائق الخالدة التي نتجاهلها قاصدين أو غير قاصدين على حساب خسارة نفوسنا، متناسين قوله الإلهي:
" ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه " (مرقص 36:8)
هذه هي حاجتنا الرئيسية في هذا العصر اليائس البائس، وهذه هي الموازنة بين العقل والقلب، والسيادة الروحية على القوى المادية، ومعرفة المغزى الحقيقي للحياة والوقوف على معانيها العميقة، والخلاص من عبودية الخطيئة وان نتخذ من أعمال يسوع مثالاً صالحاً لحياتنا وأعمالنا وكل أمورنا.
وهذه هي حاجتنا ليسوع، ويسوع وحده كفايتنا ومبتغانا وبه نجاتنا وسعادتنا، إننا نسمع البعض يقول:
"إننا سنلتقي بك يا يسوع في الأيام المقبلة (في الحياة الأبدية) ونتعرف عليك ونعيش معك آنذاك، أما الآن فاتركنا لحياتنا الخاصة التي نعيشها"
ولكن من الأفضل لهم أن يلتقوا به ويقبلونه الآن وليس غداً إذا أرادوا لعالمنا غداً أفضل من اليوم والأمس، فإن سمعوا صوته الإلهي فلا تقسوا قلوبهم، فيعرفونه ويعيشونه ويفتح لهم قلبه الأقدس المليء بالحب والحنان، ويسمعهم ويجيبهم ويعطيهم بلا حدود أو حساب، ويهبهم الحياة الأبدية الخالدة، لأنه في القيامة لن يتعرف على احد ولن يسمح لأحد بمعرفته، لأنه أعطاهم عمراً كافياً على الأرض ليعرفوه ويعيشوه فأبوا ذلك رغم كل المآسي التي عاشوها من دونه ومن بُعدهم عنه، وعندئذٍ سيسمعون صوته الإلهي الغاضب يقول لهم:
" أنا لا أعرفكم، اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية، حيث الدود الذي لا يموت، والنار التي لا تطفأ " (متى 41:25)
يجب علينا أن نسرع ونتصالح معه الآن وقبل فوات الأوان، لنحصل على فرح جديد به، وسلام هانئ دائم وشركة معه، فهو جواب لكل سؤال نحتاجه، ولتكن حياتنا صالحة ونفوسنا نقية بلا لوم عند مجيئه الثاني المجيد، لكي لا نسمع صوته الغاضب الذي سمعه الضالون، بل لكي نسمع صوته المليء بالفرح والسرور والسعادة الأبدية وهو يقول لنا بكل حب وحنان:
" تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم، كنتم أمناء على القليل وسأقيمكم على الكثير، ادخلوا إلى فرح ربكم " (متى 34:25)






