كثيراً ما نسمع من حولنا كلمة "حب" حتى بدأت هذه الكلمة تترادف
وتتحول إلى كلمة"الشهوة"، ونحن يجب أن نكتشف مفهومنا
الحقيقي للحب حتى يرى العالم الحياة المسيحية في عمقها الحقيقي
والصحيح الذي وضعه السيد المسيح فيتمجد.
فالحب هو
طاقة إلهية بالدرجة الأولى، وكلما تصالح الإنسان مع الله كلما كانت
العاطفة نقية ومقدسة وطاهرة فيصدر عنها الحب الحقيقي الذي هو بذل
وعطاء دون مقابل، انه حب ناضج كحب المسيح للانسان الذي فداه على
الصليب وسفك دمه المقدس الطاهر لاجله ودون مقابل.
ولكي يصل
الإنسان إلى الحب الحقيقي لابد له أن يمر بمراحل ينضج خلالها هذا
الحب، فينتقل من الحب الطفولي إلى الحب الإنساني
الطبيعي، وصولاً إلى الحب الإلهي.
الحب الطفولي:
هو نوع من الحب يبدأ مع الطفل ويشعر به انه محور الكون ويريد أن يمتلك به كل شيء، وهذا الحب من المفروض أن يتحول إلى مستوى أرقى من خلال عملية النضوج النفسي للفرد، أي من مرحلة خروجه من "الطفولة" إلى "المراهقة" إلى "النضج والبلوغ"، وبعض الناس يصلون إلى سن البلوغ ولا يزال في داخلهم حب الامتلاك الطفولي، فيظلون حبيساً في سجن "الأنانية" وينظرون إلى الآخرين كأدوات يسخرونها لشخصهم ومآربهم وأنانياتهم.
وهذه الأنانية بداخلهم تنطبع على حياتهم الجنسية، فينظرون إلى الجنس الآخر مجرد جسد فقط لا غير، وليس كشخص له أحاسيسه ومشاعره، ويصبح الجنس عندهم فقط لإشباع شهواتهم ورغباتهم البيولوجية، فيتحول هذا الحب إلى "الحب الشهواني" الفاشل اجتماعياً.
الحب الإنساني الطبيعي أو الرومانسي:
هو حب أكثر نضوجاً من الحب الطفولي، يتبادله الناس فيما بينهم بالمشاعر الإنسانية، ومن خلاله تسود مشاعر الود بين البشر، ويسمى أيضاً "الحب الرومانسي" لأنه يخرج من الإنسان في شحنات عاطفية متدفقة قوية، في الحب الرومانسي يعلو صوت العاطفة على صوت العقل، فمثلاً: نجد الشاب والفتاة يريدان استمرار العلاقة بينهما رغم كل التحديات الأخرى التي يواجهونها وصغر السن، ولا يسمعان نصيحة احد من الكبار، فهما لم يستعدا بعد للزواج ولكنهما يندفعان بقوة لتوطيد العلاقة بلا تفكير أو دراسة كافية بل بتهور.
ايجابيات هذا الحب يجعل الإنسان يخرج من طور حب الذات السابقة إلى الاهتمام "بالآخر" وتقديره واحترامه وفيه مشاعر سامية.
أما سلبياته فهي تتمثل في أن العاطفة نحو الجنس الآخر تكون أحياناً طاغية على العقل، مما يؤدي إلى الاندفاع وعدم التروي وتجاهل الظروف الاجتماعية، وبالرغم من أن هذا الحب هو أرقى من الحب الطفولي إلا انه يخفق في بلوغ الاتحاد والفرح الداخلي الذي يوفره "الحب الإلهي".
الحب الإلهي أو الحقيقي:
هو أعلى مستويات الحب، لأنه حب من الله، فحب الله للخليقة هو حب حقيقي، وهو الحب الإنساني الأصيل حيث يسلك به الإنسان بالتضحية وإنكار الذات، وحب البذل والعطاء حتى الموت.
انه حب حقيقي ثابت لا يتغير بسهولة، وهذا الحب لن نجده إلا في الحياة المسيحية لأنه خروج من "الأنانية" وحب الذات، وإن الإنسان يتأرجح بين ثلاثة أنماط من الحب:
1- عندما يرفض
الإنسان أن يضحي
يكتسب حب الذات.
2- وعندما يرفض
الإنسان الأنانية يكتسب
الحب الإنساني الطبيعي.
3- وحينما يقبل
الإنسان التضحية بفرح واقتناع
يكتسب الحب الإلهي والحقيقي.
كثيراً ما يتعرض المسيحي للضغط البشري، فيمر بالدرجات الثلاث للحب المذكورة سابقاً، ولكن يُحسَب له هذا جهاداً روحياً، وشيئاً فشيئاً يُعطي له الروح القدس سلاماً وفرحاً في الضيقات.
الحــب العــام:
هو حب الجميع، بغض النظر عن فارق السن أو الطبقة الاجتماعية أو الجنس أو اللون، من خلاله يندمج الفرد في الجماعة وينضج ويصير حباً حقيقياً، وعندئذٍ في الوقت المناسب يختبر الحب الخاص وهو الحب العائلي، ولا يمكن عملياً أن يعيش الفرد الحب الخاص إلا إذا نما أولاً في الحب العام للآخرين واجتاز بسلام مرحلة المراهقة بكل تقلباتها، وصولاً إلى استقرار ونضوج مرحلة البلوغ.
الحـــب الخــاص:
هو حب موجه إلى شخص معين من الجنس الآخر، ويهدف إلى تحقيق شركة إنسانية متميزة معه، هي "الزواج" وهي شركة تحتاج إلى نوع خاص من حب متميز حتى يتغلب على الأنانية الموجودة في النفس البشرية.
الحب الخاص ليس لعباً ولهواً، إنما هو مسؤولية ضخمة وأعباء صعبة يتدخل بها الرب يسوع ليخفف من ثقلها بحضوره مع الزوجين من خلال فاعلية سر الزواج المقدس المستمر.
الحب بين الزوجين هو امتداد طبيعي للحب العام وتعبير عنه وتطبيق له، أي من تدرَّب على حب الناس وخدمتهم والتضحية من اجلهم يستطيع بسهولة أن يهب شريك حياته كل شيء لديه ويحبه من اجل أسرته، فالحب العام يحرر الفرد من السيطرة الذاتية ولكن دون أن يفقد الحب للآخرين خارج مجال الأسرة، والحب العام ليس هو مجرد مرحلة مؤقتة وتنتهي، وإنما يبقى دافعاً ومحركاً للحب العائلي "الخاص".
هناك خطر يهدد الحب العائلي إذا هو انفصل عن الكنيسة، ذلك هو خطر الأنانية والتقوقع في إطار الأسرة الصغيرة دون الاكتراث بالحياة الكنسية التي هي مصدر الانتعاش للحياة العائلية.
تطبيقاً على ما سبق نجد أن العلاقات الخاصة بين الجنسين في مرحلة لم يستعدوا فيها للارتباط الجاد بالزواج غالباً ما تؤدي إلى تعطيل نضوج الحب، وتضيّع على الإنسان فرصاً هامة في مجال الانفتاح على الآخرين والخروج عن الذات والنمو الروحي.






