لمحة تاريخية:
1- مرحلة الحكم الشيوعي:
مرت الكنيسة الأرثوذكسية الصربية بمرحلة صعبة جداً خلال السنوات الخمسين الأخيرة، لسببين:
أولهما: إن عدداً كبيراً من الصرب انضم إلى الحزب الشيوعي.
والثاني: التجريح والاقتناص اللذان قامت بهما الكنيسة الكاثوليكية، ولاسيما في أراضي البوسنة وكرواتيا.
واتسمت مرحلة الحكم الشيوعي بالإلحاد، الدين الرسمي للدولة، ونتيجة ذلك كثر عدد الأشخاص غير المعمدين في صفوف الصرب، وغدت الكنائس والأديان مجرد أماكن أثرية ومُنعت إقامة الصلوات فيها، مما دفع بعض الأرثوذكس إلى الاحتفال بالأعياد في بيوتهم سراً، كما افتقرت الأديار إلى الرهبان الجدد، وخلت منهم مع مرور الوقت.
2- المرحلة الحالية:
بعد انهيار الحكم الشيوعي بدأت الكنيسة تنظم حملات توعية للشعب على الإيمان الأرثوذكسي، ومن أهم ما قامت به، بدء تأسيس مدرسة Aleksandar Nevski في بدء الثمانينات، وجعلت فيها فرعين، الأول يهتم بالإعداد للمعمودية، والثاني للمحاضرات والتقدم في الحياة الروحية، والصلوات، وتفسير الكتاب المقدس، وعلى اثر ذلك انتشرت المدارس المشابهة في جميع أنحاء بلاد الصرب، كما سمحت الدولة مؤخراً بالتعليم الديني في المدارس، فصار جزءً من البرنامج الرسمي في البلاد، ويتولى التعليم الديني في المدارس خريجو معهد اللاهوت التابع للكنيسة الصربية في بلغراد.
الواقع إن الكنيسة الصربية تعيش اليوم حالة الانتعاش، وهذه تتجلى في تنظيم المحاضرات في دور الثقافة التي غالباً ما تكون برعاية الأساقفة، كما ينتشر بشكل واسع جداً تعليم الترتيل الكنسي، وتأسيس الجوقات، وإقامة معارض للأيقونات والفن الكنسي.
إضافة إلى ذلك، بادرت الكنيسة الصربية بعقد اتفاقية مع منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، والأمانة العامة للأديان، تتعلق بحرية الاعتراف بالدين في أوروبا الجنوبية، وقد عقدت الحلقة الختامية عن مؤتمر بهذا الخصوص وصدر عنها إعلان عرف بإعلان بلغراد.
من جهة أخرى، بادرت الكنيسة الصربية أيضاً إلى الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية، وبخاصة في ما يتعلق بمسألة الاقتناص وحل المشاكل المشتركة بينهما، وقد قام العديد من المطارنة والكرادلة الكاثوليك بزيارة الكنيسة الصربية، واجروا محادثات مع رسمييها، ومع طلاب كلية اللاهوت عن المواضيع المختلفة المتعلقة بالحوار والعلاقات الأرثوذكسية الكاثوليكية، زد على ذلك أن الكنيسة الصربية منتسبة إلى مجلس الكنائس العالمي، وتالياً فهي في حوار مع الكنيسة الانكليكانية، والكنائس البروتستانتية.
انتشار الكنيسة الصربية ونشاطاتها:
تنتشر في جميع البلاد التي يعيش فيها سكان صرب، فهم أينما حلوا انشئوا الرعايا والكنائس وأقاموا كهنة، وتهتم البطريركية الصربية بهذا الأمر اهتماماً كبيراً لإيمانها بأنه عليها إبقاء الصرب على ارتباط وثيق بأرضهم، وأصلهم، وتقاليد كنيستهم الأم والحديث عن الصعوبات أو النشاطات التي تقوم بها الكنيسة يختلف باختلاف المكان الجغرافي.
إلا أن المشكلة الحساسة التي تعانيها الكنيسة اليوم تتمثل في عدم قدرتها على استعادة كامل الممتلكات التي صادرتها الدولة اليوغسلافية عام 1946، وهذه الاستعادة مهمة للغاية، لأن الكنيسة يمكنها أن تحل العديد من مشاكلها الاقتصادية بهذه الطريقة وترعى المؤمنين اجتماعياً وإنسانياً، والجدير بالذكر أن الدولة المذكورة قد سلبت الكنيسة العديد من الأراضي الواسعة والأديرة والكنائس.
صربيا والجبل الأسود (مونتينيغرو):
منذ بدء التسعينات بدأت التغييرات السياسية تحصل في منطقة البلقان، وتحديداً في يوغسلافيا السابقة، كان للكنيسة الصربية دور بارز على صعيد التغييرات المجتمعية والوعي الشعبي، ففي فترة الحكم الشيوعي كانت الكنيسة موجودة بشكلها الرسمي وتراتبيتها، ولكن لم يكن لديها أي تأثير فعلي في مجريات الأمور، كانت مجرد حافظة للتقليد، إلا انه لم يكن باستطاعتها جمع عدد اكبر من المؤمنين أو مخاطبتهم بالطرق الفعالة.
إلا أن هذا الوضع تغير عام 2000 بعد الإطاحة بالحاكم سلوبودان ميلوسيفيتش، والتأسيس للنهج الديمقراطي الجديد، عندئذ دخلت التربية المسيحية إلى المدارس الحكومية، وحظيت الكنيسة بفرصة تثقيف الطلاب وتوعيتهم على شؤون الدين والإيمان الأرثوذكسي، ورغم الصعوبات المالية الكبرى تمكنت الكنيسة من إنشاء بعض المؤسسات، بالإضافة إلى المراكز التربوية حيث يعمل الأطباء والكهنة على معالجة مشاكل الشباب، كالإدمان على المخدرات أو الحول وغيرها من المشاكل الروحية والنفسية، كما أنشئت هيئة خاصة لإعانة آلاف المهجرين الذين قدموا من كوسوفو وكرواتيا، وسكنوا صربيا اثر الحروب الدامية، التي اجتاحت تلك المنطق فدمرت بيوتهم، وسلبت ممتلكاتهم، وحولتهم إلى لاجئين بائسين، معظمهم عاطل عن العمل.
كوسوفو:
بعد انتهاء الحرب ودخول قوات حلف شمال الأطلسي لحفظ السلام في كوسوفو، هجر آلاف الصرب منازلهم وأراضيهم تحت ضغط السكان الألبان، الذين يشكلون الأكثرية العددية في إقليم كوسوفو، والأمر الأشد مأساوية كان بدون أدنى شك تدمير مئات الأديار والكنائس الأرثوذكسية الأثرية، ونهبها وتدهور الوضع العام للأرثوذكس القاطنين في تلك المناطق من دون أية حماية أو رعاية.
هذا الوضع رتب على الكنيسة الصربية واجبات واهتمامات كبرى، فوضعت في أعلى سلم أولوياتها العمل بجهد على مساعدة سكان كوسوفو، وإرسال المعونات إليهم كي يثبتوا في تلك الأرض، ويستمروا في جهادهم الروحي هناك، إذ تعتبر الكنيسة الصربية الوجود الأرثوذكسي، والحياة الروحية في هذه المناطق أمراً لا يمكن التنازل عنه، والتحديات الملقاة على عاتق الكنيسة كبيرة جداً، كونها الجهة الوحيدة التي تؤمن الحماية والمعونة للصرب في كوسوفو.
بلاد الانتشار:
اكبر جالية صربية خارج صربيا وأقدمها، موجودة في المجر ورومانيا، وقد مرت هذه الجالية بمشاكل عدة أهمها التحول إلى الكثلكة في المجر، أو الاضطهاد خلال الحكم الاستبدادي والشيوعي في رومانيا، غير أن الوضع الحالي إلى تحسن، إذ أن الكنيسة تقيم نشاطات للشباب بشكل مستر.
أما في أوروبا الغربية، فالمشاكل التي تواجهها الكنيسة الصربية هي ذاتها التي تمر بها الكنائس الأخرى، وتكمن في ذوبان الأرثوذكس في مجتمعاتهم، فقدان لغتهم الأم، والانقطاع عن الجذور، ما تقوم به الكنيسة الصربية إزاء ذلك هو إنشاء المدارس لتعليم الأطفال لغتهم الأم، كي يفهموا الصلوات التي يشاركون فيها أولاً، وللإبقاء على الرابط مع بلد المنشأ وتقاليده، ثانياً.
والجدير بالذكر أن الرعية الصربية الموجودة في لندن ناشطة جداً على هذا الصعيد.
الكنيسة والشباب:
ليست لدى الكنيسة منظمة شبابية كبرى، أو رئيسية كالتي نشهدها في كنيستنا الإنطاكية، بل كل أبرشية أو رعية لديها برنامجها الشبابي الخاص بها، ويتخذ العديد من هذه النشاطات طابعاً محلياً ويبقى ضمن حدود الرعية أو الأبرشية التي ترعاه وهذه الحركات الشبابية ليست لها أي صفة رسمية، أي أنها لا تتمتع بأي سلطة في مجال اتخاذ القرارات الكنسية، إلا أن هذا الواقع لا يثني الحركات الشبابية من القيام بكل الأعمال المناسبة لخدمة الكنيسة، سواء عبر الترتيل الكنسي وتنظيم الجوقات والرحلات إلى الأديرة، أو عبر القيام بالعمل الاجتماعي حيث تدعو الحاجة.
وفي هذا الصدد، أطلقت الأبرشية الصربية في أوروبا الغربية برنامجاً خاصاً يشارك فيه الشباب من بلدان ألمانيا، وفرنسا والنمسا، وسويسرا في إعادة ترميم الأديرة في صربيا، والجبل الأسود، ويتم القيام بهذه الأعمال في إطار مخيمات عمل تتخللها أيضاً أحاديث روحية ولقاءات متنوعة، بالإضافة إلى تعرف هؤلاء الشباب إلى بلدهم الأم.






