كان البابا لاون العاشر بحاجة إلى المال لإنهاء بناء كنيسة القديس بطرس في روما، فأرسل رهباناً إلى كل أنحاء العالم ليبيعوا صكوك الغفران، وكان الراهب الدومنكاني يوحنا تاتزال مكلفاً ببيع هذه الصكوك، فجاء إلى وتمبرج حيث يقيم الكاهن لوثر المولود في /1483/، وبينما كان لوثر يعلم بأن غفران الخطايا يُمنح لمَنْ يتوب توبة صادقة، جاء تاتزال رسول البابا يبيع الغفرانات بقليل من الدراهم، أمام هذه المتاجرة الرخيصة بالدين لم يتمالك الأب لوثر ضبط أعصابه فهاج مدفوعاً من غيرة شريفة على الدين، وقرر أن يثور على هذه التجارة بالمقدسات، وبتاريخ 31/تشرين الأول 1517 علق على باب الكنيسة البنود المشهورة وعددها /95/ التي بها حارب بيع الغفرانات، وعلم أن التوبة الصادقة هي التي تصالحنا مع الله وليس الدراهم التي نشتري بها صكوك الغفران.
وخلال مدة وجيزة أصبحت تلك البنود معروفة في كل أوربا، فأصدر البابا سنة 1520 منشوره الذي أعلن فيه أن الكاهن لوثر هو هرطوقي، وأمر بإلقاء كتاباته في النار.
أما لوثر
فقد ألقى بمنشور البابا في النار
أيضا، ومنذ ذلك الحين اُعتبر لوثر
منفصلاً عن الكنيسة البابوية، وسنة 1521 وقف
لوثر أمام مؤتمر الأمراء في وارمز
ودافع عن تعاليمه، وأبى أن يتخلى عنها إلا إذا برهنوا له عدم صحتها من
الكتاب المقدس الذي كان يعتبره المعصوم عن الخطأ وحده، وأنهى دفاعه
بهذه الكلمات:
"هنا أقف ولا استطيع أن افعل غير ذلك فليساعدني الله"
مع ذلك اصدر المؤتمر حكماً برفض تعاليم
لوثر، وقام القيصر والأمراء
يطلبون وأد اللوثرية، ولكن لوثر وجد صديقاً مخلصاً له هو
فريديريك الحكيم فساعده كثيراً.
ثم جاء مؤتمر سبير سنة 1529 فصادق على قرارات مؤتمر وارمز، حينئذ احتج أتباع لوثر، ومن ذلك الحين دعوا المحتجين أي "البروتستانت".
وبعد مفاوضات طويلة وحروب دموية طاحنة حصل البروتستانت سنة 1555 على حريتهم الدينية بالصلح الاوغسطيني، ولكن هذا الصلح لم يضع حداً الاضطهادات الدموية التي كان أفظعها المذبحة التي جرت في فرنسا ليلة عيد القديس برثلماوس سنة 1572 وفيما تلاها من الأيام، حتى انه خلال شهر واحد قتل من البروتستانت نحو /40/ ألف نسمة، أما الصلح الذي تم في وستفاليا سنة 1648 فقد صادق على الصلح الاوغسطيتي بصورة نهائية، ومع ذلك تبعته اضطهادات خصوصاً على عهد لودفيك الرابع عشر سنة 1715 في فرنسا عندما اضطرت نحو /50/ ألف عائلة بروتستانتية أن تهجر وطنها لأنه حظر عليها أن تمارس عقيدتها وطقوسها بحرية.
وقد وضعت الثورة الفرنسية حداً لهذه الاضطهادات سنة 1789، ولا شك في أن لوثر كان رجلاً عظيماً ويستحق كل احترام وتقدير، وكم نحن اليوم بحاجة إلى لوثر آخر، وبينما كان لوثر ينشر الإصلاح في ألمانيا كان زونيكل 1484 يبشر بمبادئ قريبة من اللوثرية في سويسرا، وقد قتل سنة 1531 في موقعة جرت بين أتباعه وبين الباباويين.
وبعده استلم زعامة المصلحين يوحنا كلفين 1564 الذي اشتهر بمحافظته الشديدة على الأخلاق، ومنه دعي الإصلاح في سويسرا كلفينياً، وفي القرن السادس عشر دخل الإصلاح إلى انكلترا، وهنا دخلت الكلفينية، ولكنها حافظت على درجة الأسقفية، ولذلك دعيت الكنيسة الانكليكانية أو الابيسكوبالية "الأسقفية".
إن أهم الكنائس البروتستانتية هي: اللوثرية، والكلفينية، والانكليكانية.
لا ننكر أن زعماء الحركة الإصلاحية الدينية كانوا مثقفين ومخلصين، ولكن بما أنهم نشئوا في الكنيسة البابوية وتثقفوا بمدارسها، كانوا يجهلون حقيقة الكنيسة الأرثوذكسية، وأول اتصال جرى بين البروتستانت والأرثوذكس كان على عهد بطريرك القسطنطينية واصف الذي أرسل شماسه ديمتريوس إلى وتمبرج ليطلع عن حقيقة الإصلاح الديني فعاد الشماس المذكور إلى القسطنطينية سنة 1559 حاملاً معه رسالة من فيليب ملانكثون الى البطريرك مع نص الاعتراف الاوغسطيني.
جاء في هذه الرسالة أن ملانكثون قد تعزى كثيراً عندما علم من الشماس أن الكنيسة الأرثوذكسية ما تزال باقية بالرغم من الاضطهادات التي قام بها الباباوات ضدها، وقد شبه بقاء الأرثوذكسية على قيد الحياة ببقاء الفتية الثلاثة في الأتون سالمين، ثم يأمل أن يروي الشماس للبطريرك ما رأى وما سمع عن الحركة الإصلاحية مؤكداً للبطريرك أن المصلحين يحافظون على الكتب المقدسة وعلى تعاليم المجامع وآباء الكنيسة الأرثوذكسية.
وسنة 1574 كتب اللاهوتيون اللوثريون رسالة إلى البطريرك ارميا الثاني يعرضون فيها إيمانهم ويطلبون من البطريرك إيجاد صلة بينهم وبين الكنيسة الأرثوذكسية موضحين أنهم لم يثوروا على الأرثوذكسية بل على البابوية التي افسد بعض رهبانها الدين المسيحي، فأجابهم البطريرك ارميا موضحاً لهم أن الشرقيين وان اتفقوا مع البروتستانت على رفض البابوية، والمطهر، والغفرانات، وبتولية الإكليروس الإجبارية وغيرها فهم يختلفون وإياهم على أمور أخرى خصوصاً على الأسرار السبعة المقدسة، والتقليد الشريف، ودرجة الأسقفية، وقد تبادل الطرفان عدة رسائل ولكن لم يحصل اتفاق بينهما.
كذلك جرت مساع كثيرة في سبيل الاتحاد بين الأرثوذكس والبروتستانت ولكنها لم تثمر، أما البطريرك كيرللس لوكاريوس في القرن السابع عشر قد اظهر محبة وافرة نحو البروتستانت آملاً انه بصداقته معهم يمكنه أن يحبط مساعي اليسوعيين في الشرق، ولكن تصرفه هذا لم يُرضِ الكنائس الأرثوذكسية فانتقدوه وحكموا على المنشور الذي أصدره بهذا الشأن بالرفض.
وفي الآونة الأخيرة ظهر كثيرون من البروتستانت وخاصة في انكلترا وابدوا رغبة في الاتحاد مع الأرثوذكس وقال الانكليكانيون أنهم مستعدون لاقتبال العقائد الأرثوذكسية كلها ليصير الاتحاد بين الكنيستين الانكليكانية والأرثوذكسية وذلك ثابت في أعمال المؤتمر المسيحي في جنيف سنة 1920 للبحث في الفروقات القائمة بين الكنائس المسيحية كلها وقد قرر المؤتمر إمكانية الاتحاد بين الأرثوذكس والكاثوليك القدماء والانكليكان، وتم انتخاب لجنة خاصة من أعضائه لمتابعة الموضوع.






