يوسف خطيب مريم وأب بالتبني ليسوع
(متى 9:1)
العذراء مريم
ويوسف الشيخ البار دُعيا من الله مختارَين من الله ليؤلفا مع
ابنه الوحيد العائلة الأرضية، ويسهرا على تربية "الابن الإلهي"
المعهود لهما، ويوسف النجار البسيط ينتمي إلى سلالة رفيعة الشأن
تضرب جذورها في سحيق التاريخ لترتبط بآدم أب كل البشرية، وبإبراهيم
الأب الروحي لشعب الله المختار- إذاً يوسف من وارثي العهد –
فإبراهيم أطاع أمر الله وساق ولده الوحيد اسحق
للذبح، ولكن تدخُّل الله الغريب في اللحظة المناسبة كشف ارتباط
شجرة السلالة البشرية والإبراهيمية بالنُسُغ الفائق الطبيعة
وبالإرادة الالهية التي تربط الجذور الأرضية بالسماوية الإلهية،
إبراهيم بطاعته يُعطي مثالاً جديداً للأبوة الأرضية بفضل ذلك
التدخل الإلهي، ويصبح مع الله أباً لكل نفس حية، ومساهماً في حياة
كل أرضي.
أما يوسف فلا
تقل رسالته خطورة وثقلاً ووجعاً عن رسالة إبراهيم، وإذا كانت
التضحية بإسحق تبدو وحشية فإن تضحية يوسف تبدو
مُخجلة، لقد طُلب أن يساهم بأبوة ليس له فيها أي شركة بشرية في
اللحظة المناسبة لتخلى يوسف عن هذه الأبوة دفعاً للعار "فقد
همَّ بتخلية مريم سراً" (متى 19:1)،
فهو من جهة بارٌ تقيٌ، ومن جهة أخرى يسهر على عذرية مريم، لقد كان
يجهل مَنْ هو أبو الصبي وهوية المجهول، هنا يتدخل ملاك الرب ليهدئ
من اضطراب أفكار يوسف ويكشف له عن هوية الصبي
(متى 20:1-23)،
اسحق، يسوع: أبوة الله تُدوَّن من خلال أسماء الأبناء، اسحق
يعني "الله يضحك"، ويسوع يعني "الله يخلص"،
فالله الذي يضحك من قانون الطبيعة فيعطي إبراهيم وسارة
ولداً في شيخوختهما، ويضحك أيضاً من نظام الطبيعة، فيعطي
العذراء ولداً لتصير أماً ويوسف البار يصير أباً وغصناً
مفرعاً ثمراً بطريقة عجائبية، وهكذا أفرعت أيضاً عصا هارون أمام
خيمة الشهادة (عدد 23:17).
لقد قَبِل يوسف هذه الأبوة وصار بعد ذلك ارفع شأناً وأعلى من أي أب على وجه الأرض، أبوة يوسف ليست بيولوجية حيوانية يُطبِق عليها الحب الأناني القاتل، وإنما هي أبوة روحية تهتم باحترام واندفاع بالابن ودون قيد ولا امتلاك وفي صمت واختفاء كليين.
هذه الأبوة لم يختبرها يوسف ولا اعدََّ نفسه لها وقد كاد يرفضها تجنباً للعار لولا تدخل الله، وهكذا أمومة العذراء لا تقل خطورة عن أبوة يوسف ولكن الخطيبين امتثلا لأمر الله يسربهما الذهول والإعجاب، وتملؤهما نعمة الله وعظائمه، الأبوة تتطلب تركاً، لقد ترك إبراهيم أرضه وعشيرته (تكوين 1:12)، ويوسف ترك عادات قومه ليصنع مشيئة الله التي عبَر عنها السيد المسيح في (متى 46:12-50) بقوله: "إن أبي وأمي وإخوتي هم الذين يصنعون مشيئة أبي الذي في السماوات"، وعبّر عنها أيضاً بولس الرسول في (رومية 8:9) عندما قال: "ليس أبناء الجسد هم أبناء الله، بل أبناء الوعد هم الذين يُحسبون نسله"، يوسف هو أول من حطَّم قيود الارتباط العائلي المعقود باللحم والدم، وارتفع به إلى أعلى من جبل موريا، إلى أعالي السماوات وسمح للعائلة أن تتحرر من عقدها وتنطلق حرة طليقة كالعصفور تبني أعشاشها في بيت "الآب".
لم يتوانَ يوسف من أن يأخذ مريم ويتبناها زوجة له، والمولود منها ابناً له، ويبدأ رحلته القاسية الطويلة من الناصرة إلى بيت لحم ليكتتب هناك، ويبدأ من مغارة رحلته مع عائلته الجديدة التي هي عطية له من الله، من تلك المغارة انطلقت المغامرة الحقيقية، والأب يكاد يكون المغامر الوحيد في هذه الحياة، يتحمَّل، يسهر، يجاهد، يتقبل كل شيء في سبيل مستقبل أولاده، وكم هو مجهول هذا المستقبل، لقد قاد الصبي وأمه إلى مصر ثم عاد بهم إلى الناصرة حيث كان الصبي يكبر وينمو، وليلة بعد ليلة تغذيها الأحلام ويفسرها ملاك الرب كانت أبوة يوسف تنصهر، وقلبه يمتلئ حناناً وعطفاً على الصبي، من دون قيود أو ارتباطات أرضية كان يوسف يسهر على الابن الإلهي من بعيد ومن غير أن يبصر ارض الميعاد كما فعل موسى وهو على أعلى جبل نابو (تثنية 50:32-52) وقبل موته على العتبة.
بعد سن الاثني عشر سنة ليسوع يُمحى يوسف الأب ويصمت الإنجيل عن ذكره، وتنسحب مريم بهدوء ليكمل يسوع مسيرته فيكبر ويتقوى في شخصيته ويُسدل الستار على "الأنا" في يوسف ومريم لتطل "الأنت" في الابن فيصير هو كل شيء في رسالتهما، وتنتهي المغامرة في الاختفاء التام ليأخذ الابن مكانته ويتقوى في شخصيته، وهذا هو ملء الرسالة كما عبّر عن ذلك يسوع عندما صعد مع والدته إلى العيد "ينبغي لي أن أكون فيما هو لأبي"، ويكتفي يوسف بعدها بأن يمر اسمه مرور الكرام على لسان احد المتحدثين عن يسوع: "أليس هذا يسوع بن يسوف؟.." (يوحنا 42:6)، الأبوة تتطلب التبني، والتبني لا يكون فقط في تسجيل الولد والاعتراف به قانونياً وتأمين لقمة عيشه، وإنما يعني التبني الاعتراف بالولد مدى الحياة صبياً كان أو بنتاً، موهوباً أم خاملاً بليداً، جميلاً أم قبيحاً، صحيحاً أم مريضاً، ولا يعني ذلك بالضرورة أن يجسِّد الولد طموحات الوالدين، التبني يعني قبول الولد كما هو في فرادته، في تصرفاته، في ميوله، من هنا وجب على الوالدين تعليم الولد ودعمه والاهتمام به ليبقى مرفوع الرأس في المجتمع، ومهما كانت الصعوبات التي تعترض مسيرة التربية والتعليم فإن دور الأهل يكمن في إيجاد الحلول والمخارج بصبر عميق وتفهم كبير، دور الأهل خطير وعليهم يتوقف مصير السفينة التي تضرب بها الرياح والأنواء والوصول بها إلى شاطئ السلامة، يوسف هو مثال الأب الصالح الذي يمشي وراء الحمار الذي يحمل على ظهره العذراء وابنها، ويتكبد المشقات بطول أناة وصبر أين منهما صبر وطول أناة الحمار، يمشي بخطى بطيئة حذرة هادئة يُرهق السمع مسخراً قوته في حماية الأم وابنها، يواجه الليل والحياة، الأخيار والأشرار، فهو السند والحارس يخرج من ذاته ويغوص في المجهول بصمت وطاعة ويُرمى أخيراً في صمت الليل وغياهب النسيان ليصبح مثل حبة الخردل التي تكلم عنها الإنجيل (متى 23:13)، ويموت يوسف مغمضاً عينيه على أمل اللقاء قبل أن يدرك الموعد مع يسوع.
وفي الساعة التي تمجد فيها يسوع على الصليب عهد بوالدته إلى
صديقه وتلميذه الحبيب يوحنا الذي أخذها إلى خاصته
(يوحنا 26:19-27)،
وبنزوله إلى الجحيم التقى هناك بأبيه يوسف البار بين
الأبرار، ذلك السائح الغريب
(عبرانيين 13:11)،
الذي ركز نظره على نظر ابنه مترجياً وأملاً بالسعادة الحقيقية في
ملء قامة المسيح الذي عهد به إلى نفسه ليقيمه في السعادة الأبدية.![]()
الكنيسة ترحب بجميع زوارها الكرام من الأخويات والشبيبة وأطفال التعليم الديني، للتعرف عليها، والتمتع بحدائقها الجميلة وهوائها المنعش اللطيف، وإقامة النشاطات، والاشتراك في الصلوات، وشكراً






